ويأتي صلى الله عليه وسلم إلى الزهد، والناس في الزهد بين غال وجاف، وأحسن من عرفه -فيما أعلم- شيخ الإسلام ابن تيمية، لأن بعض الناس قال: أن تزهد في الحرام، إذا: فما زهدت إذا لم تزهد إلا في الحرام، لأن الدنيا أكثرها حلال إذًا: فابتن ما شئت، واسكن فيما شئت، وكل ما شئت، والهى بما شئت، فإذا لم يكن الزهد إلا في ترك الحرام فلا زهد في الدنيا، وقال غيرهم: الزهد في المباحات وأخطئوا، وقال غيرهم: الزهد ألا يكون عندك شيء، وهؤلاء هم غلاة الصوفية الذين يتربع أحدهم إلى تلاميذه، فيقول: الحمد لله أصبحنا وأصبح الملك لله، قالوا: ماذا حدث؟ قال: تذكرت البارحة ما أكلت رطبًا من أربعين سنة!! ومن أحرمك الرطب من أربعين سنة، والرسول صلى الله عليه وسلم أكل الرطب، وأكل اللحم، وتزوج النساء، ونام، وقام، وأكل الحلوى والعسل، فهل أنت أفضل منه!
يقول الذهبي لما قال رجل من غلاة الصوفية: لقد جعت ثلاثة أيام، فرأيت صورًا غريبة عجيبة أمام عيني، فاستبشرت بذلك!! قال الذهبي معلقًا: والله ما كانت صورًا ولكن عقلك خاش وفاش من الجوع، فتصور لك الشيطان، إنهم يخيسون من الجوع، فيأتون بوساوس ويقولون: إلهامات، حتى ما بقي عليهم إلا أن يقولوا نزل عليهم جبريل عليه السلام، فأوحى إليهم وحيًا، وإنما نزل عليهم ما نزل على مسيلمة الكذاب في اليمامة، يوم أن أخرج الوساوس من رأسه سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه.