الله له هداية مطلقة، وهدايةٌ خاصة؛ الهداية المطلقة: يدخل فيها العجماوات والحيوانات والبهائم، يقول سبحانه: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الإنسان:3] وهذه لكل مخلوق: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الإنسان:1 - 3] .
وفرعون يقول لموسى: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه:49] اسمع إلى الجواب الصارم، يقول الزمخشري صاحب الكشاف:"لله دره من جواب أسكته!! أسكت الخبيث الغبي، إسكاتًا ما بعده اسكات: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه:49] لو قال موسى: ربنا الله، لقال فرعون: أنا الله، ولو قال: ربنا المالك، قال: أنا المالك، لكن الجواب كان مفحمًا: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، كل شيء أعطاه خلقه ثم هداه هدايةً مطلقة إلى أسباب المعايش."
النملة هداها الله من هدى النملة؟! من علم النملة أن تأتي في الصيف فتكتنز للشتاء، عند النملة مخازن ومستودعات، قسم المستودعات لا يصرف منه إلا في الشتاء؛ ومن شك منكم فليبحث في جحر نملة، وهذا مثبت بالعلم التجريبي، وهناك قسم للاستهلاك المحلي اليومي، وقسم العاملات، وقسم الملكة لها مكتبٌ خاص، تجتمع في دورات سنوية بالعاملات والشغالات، هل هذا من هدي النملة من نفسها؟ لا والله، هل عند النملة دماغ تفكر في هذا المستوى؟! إن الله هو الذي هداها وإلا فهي ما تملك شيئًا.
اسمحوا لي غفر الله لكم أن أورد قصةً أوردها ابن القيم في مفتاح دار السعادة يقول: ذكر أحد الصالحين أن نملةً من النمل خرجت من جحرها، والنمل يسلك طريقًا عابرًا ويتخذه ويفتحه ويعبده ويزفلته، ثم لا يأخذ طريقًا آخر، وأنت انظر إليه، والنمل إذا كان هناك ماء قليل، بمستوى النملة صنع النمل جسرًا من أفراده ثم يمشي بقية النمل عليه، واسألوا الواقع وانظروا.
قال ابن القيم: فخرجت نملة تبحث عن رزقها من الشغالات، لأن هناك ملكة لا تخرج أبدًا، وهناك عاملات تبني بيوتًا وتخزن وترصد الحبوب والقمح، وهناك شغالات تحمل الطعام، فخرجت الشغالة فوجدت رجل جرادة؛ رجل الجرادة أكبر من النملة، فحاولت أن تسحبها يمينًا أو يسارًا فما استطاعت، فذهبت إلى النمل فأخبرتهم؛ وبينهم لغة خاصة؛ ولغة الحيوان مثبتة.
وهذا الروسي سخروف الذي توفي قبل شهرين اكتشف في مذكرات له أن للنبات لغات خاصة، وكاد أن يسلم هو، لكنها حكمة الله عز وجل.
يقول: للنباتات نبراتٌ خاصة من الصوتيات، والورد بينه صوتٌ خاص، والنخل صوتٌ خاص -قدرة الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالى- فالحيوان بقدرة الله عز وجل له لغة خاصة: {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل:16] خرجت هذه النملة فاصطدمت برجل الجرادة فما استطاعت أن تحملها فأتت إلى شغالات أخرى، فأتت الشغالات معها فأتى الرجل الصالح فرفع رجل الجرادة، فأتوا فما وجدوا في المكان شيئًا، فلما رجع النمل أنزل الرجل الصالح رجل الجرادة، فأتت تسحبها فرجعت إلى الشغالات فأخبرتهم فأتى النمل فرفع الرجل رجل الجرادة فلم يجد النمل شيئًا فرجعوا ثالث مرة، فرفع الرجل، فقال النمل: قد كذبت، قال: فطوقوها ثم مزقوها قطعةً قطعة.
عودوا إلى مفتاح دار السعادة، واسألوا ابن القيم في ذلك، واسألوا أهل الكتب العلمية مثل: الطب محراب الإيمان، أو كتب الأمريكان، الله يتجلى في عصر العلم واسألوا كتاب الإنسان لا يقوم وحده لـ كريسي موريسون وكتاب الإنسان ذلك المجهول لـ ألكسيس كارل فهذه حقائق شهد بها الكافر وهو كافر، فكيف بالمؤمن؟!
قال سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10] يمتن على الإنسان بالهداية وهذه هداية مطلقة، يقول: بينا له طريق الخير من الشر، التمر والجمر، دللناه على طريق الجنة وطريق النار، وقال سبحانه: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] وقال سبحانه: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الإنسان:3] وقال سبحانه: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:3] علمناه الطريق وأتينا بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأنزلنا القرآن، وقلنا: هذه القبلة، وهذا الماء وهذا المسجد فتوضأ وصلِّ، وطريق الشر كذلك، وهذه الخمارة والبارة والعود والوتر والغناء والمجلة الخليعة وافعل ما شئت، أنت أبصر بنفسك، والطريق غدًا:
ستعلمُ في القيامة إن عُرضنا غدًا عند الإله من الملوم
أما والله إن الظلم شؤمٌ وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
{: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام:62] .