وتقول: { (على رأس جبل) } وهذا وعورة خلقه، فليت هذا اللحم الذي فيه بعض الخُلق قريب منا، لكنه على رأس جبل، أي أنه لا يتحقق الطلب منه إلا بعد شق الأنفس، إذا طلبت منه شيئًا تظل تراجعه وتمدحه بمحاضرات وتدعو له في أدبار الصلوات، وتبكي بين يديه حتى يأتي بهذا الطلب، فطلبه كلحم الجمل الغث على رأس الجبل.
{قالت: (لا سهل فيرتقى) } أي: ليس الجبل سهلًا فنرتقي ونأخذ هذا الغث، وليس اللحم سمينًا حتى ننقله وهذا من أبلغ الأوصاف، وهذا يسمى اللف والنشر عند أهل العلم، فهي قد لفت الكلام ثم نشرته، كما قال الحفاظ وقد سئل ابن تيمية عن الفلسفة وعلم المنطق فقال: (علم المنطق والفلسفة لحم جمل غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل) وهذا من أحسن ما يستشهد به في مثل هذه المواضع، فإذا سئلت عن علم من العلوم لا ينفع ولا يفيد ولا يقدم شيئًا فوصفه هذا، وذلك مثل بعض العلوم العصرية التي لا تنفعك في الدنيا ولا في الآخرة، مثل علم الفلسفة، علم الكلام، وعلم المنطق لحم جمل غث على رأس جبل، لا الجبل سهل فيرتقى فيه ويؤخذ اللحم، وليس اللحم مع صعوبة الجبل يستحق الحمل.
إذًا الأولى ذمت زوجها باللف والنشر، أوجزت ثم نشرت خبره؛ لأنها عاهدتهم ألا تكتم، فهو من أسوأ الرجال خلقًا نعوذ بالله من ذلك، وسوف تأتي فائدة هذا الكلام في آخر الدرس.