شق صدره صلى الله عليه وسلم وهو في البادية, يرعى هو وأخوه من الرضاعة ابن حليمة الآخر البهم, أي: أنه طفل لا يستطيع أن يرعى الغنم, لكن هذا الذي يرعى البهم يرعى الملوك ويرعى الدول, وأصحابه بعد خمسة وعشرين سنة من بعثته حكموا اثنتين وعشرين دولة من دول العالم, ثم بعد ثلاثين سنة دخلوا قرطبة مهللين مكبرين وطاشقند، وتركستان، ونهر الجنج، ووقفوا على مشارف السند يرفعون: لا إله إلا الله محمد رسول الله, هذا هو الذي يرعى الغنم.
خرج في الصباح يرعى, وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة، وهي شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه, كل منا فيه مرارة سوداء هي موطن للشيطان, إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخرجت المرارة السوداء, أي: أجريت له عملية عليه الصلاة والسلام على أيدي الملائكة، وقطعت هذه المرارة السوداء فلا يأمره الشيطان ولا يقربه أبدًا, فأحدث هذا عند حليمة خوفًا فردته إلى أمه، وحدثتها قائلة: بينما هو وإخوته في بهم لنا خلف بيوتنا, إذ أتى أخوه يعدو، وقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي -يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم- قد أخذه رجلان -الملكان- عليهما ثياب بيض -والملائكة دائمًا لا تلبس إلا البياض {البسوا البياض وكفنوا فيها موتاكم} - فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه منتقعًا لونه خائفًا عليه الصلاة والسلام مرتعدًا من هذا الحادث؛ لأنهم بطحوه في الأرض وشقوا صدره صلى الله عليه وسلم, وما وجد ألمًا كأنه أغمي عليه, فلما شق صدره أخذوا -والحديث أصله عند مسلم في الصحيح - المرارة السوداء فقطعوها, وأخذوا قلبه فغسلوه بماء زمزم في طست من ذهب, ثم ردوا صدره, ولا زال وهو في ستين من عمره يرى الصحابة أثر الشق, وأثر هذه العملية في صدره صلى الله عليه وسلم.
قال: فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض, فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ -يتأكد الملك من الرسول, أهذا هو المقصود الذي أرسلنا الله إليه؟ قال: نعم.
فأقبلا يبتدراني فأضجعاني، فشقا بطني فالتمسا فيها شيئًا فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو.
إذًا المسألة مقصودة من زمان, حتى وهو حمل في بطن أمه.
وعيسى عليه السلام كان يكلم النصارى به قبل مئات السنوات، يخبرهم أنه سوف يبعث في العالم، وسوف يكون خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام, وسوف ينقذ به الله الأمة من الضلالة، هذا هو صلى الله عليه وسلم.