أي أبعده من رحمته «وغضب عليه» بفسقه وكفره وغضبه عليه أراد به العقوبة والاستخفاف به وقيل غضبه أن ضرب عليهم الذلة والمسكنة والجزية أينما كانوا من الأرض «وجعل منهم القردة والخنازير» أي مسخهم قردة وخنازير قال المفسرون يعني بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى وروى الوالبي عن ابن عباس أن الممسوخين من أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة وشيوخهم مسخوا خنازير «وعبد الطاغوت» قال الزجاج هو نسق على لعنة الله ومن عبد الطاغوت وقال الفراء تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت فعلى هذا يكون الموصول محذوفا وذلك لا يجوز عند البصريين فالصحيح الأول والطاغوت هنا الشيطان عن ابن عباس والحسن لأنهم أطاعوه طاعة المعبود وقيل هو العجل الذي عبده اليهود عن الجبائي لأن الكلام كله في صفتهم ولا تعلق في هذه الآية للمجبرة لأن أكثر ما تضمنته الأخبار بأنه خلق من يعبد الطاغوت على قراءة حمزة أو غيره ممن قرأ عبادا أو عبدا وغير ذلك ولا شبهة في أنه تعالى خلق الكافر وأنه لا خالق للكافر سواه غير أن ذلك لا يوجب أن يكون خلق كفره وجعله كافرا وليس لهم أن يقولوا أنا نستفيد من قوله وجعل منهم من عبد الطاغوت أو عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا كما نستفيد من قوله «وجعل منهم القردة والخنازير» أنه جعل ما به كانوا كذلك وذلك أنا إنما استفدنا ما ذكروه لأن الدليل قد دل على أن ما به يكون القرد قردا والخنزير خنزيرا لا يكون إلا من فعل الله وليس كذلك ما به يكون الكافر كافرا فإنه قد دل الدليل على أنه يتعالى عن فعله وخلقه فافترق الأمران «أولئك شر مكانا» أي هؤلاء الذين وصفهم الله بأنه لعنهم وغضب عليهم وأنهم عبدوا الطاغوت شر مكانا لأن مكانهم سقر ولا شر في مكان المؤمنين ومثله أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وقيل معناه أنهم شر مكانا في عاجل الدنيا وآجل الآخرة ممن نقمتم من المؤمنين أما في الدنيا فبالقتل والسبي وضرب الذلة والمسكنة عليهم وإلزام الجزية وأما في الآخرة فبعذاب الأبد «وأضل عن سواء السبيل» أي أجوز عن الطريق المستقيم وأبعد من النجاة قال المفسرون فلما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب وقالوا يا إخوان القردة والخنازير فنكسوا رءوسهم وافتضحوا .