أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها قالت وأنا والله أعلم أني بريئة وما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله رؤيا يبرئني الله بها فأنزل الله تعالى على نبيه وأخذه ما كان يأخذه من برحاء الوحي حتى أنه لينحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الثاني من ثقل القول الذي أنزل عليه فلما سرى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت لي أمي قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله فهو الذي أنزل براءتي فأنزل الله تعالى «إن الذين جاءوا بالإفك» الآيات العشر .
«إن الذين جاءوا بالإفك» أي بالكذب العظيم الذي قلب فيه الأمر عن وجهه «عصبة منكم» أيها المسلمون قال ابن عباس وعائشة منهم عبد الله بن أبي سلول وهو الذي تولى كبره ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش «لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم» هذا خطاب لعائشة وصفوان لأنهما قصدا بالإفك ولمن اغتم بسبب ذلك وخطاب لكل من رمى بسبب عن ابن عباس أي لا تحسبوا غم الإفك شرا لكم بل هو خير لكم لأن الله تعالى يبريء عائشة ويأجرها بصبرها واحتسابها ويلزم أصحاب الإفك ما استحقوه بالإثم الذي ارتكبوه في أمرها وقال الحسن هذا خطاب للقاذفين من المؤمنين والمعنى لا تحسبوا أيها القذفة هذا التأديب شرا لكم بل هو خير لكم فإنه يدعوكم إلى التوبة ويمنعكم عن المعاودة إلى مثله «لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم» أي لكل امرئ من القذفة جزاء ما اكتسبه من الإثم بقدر ما خاض وأفاض فيه وقيل معناه على كل امرئ منهم عقاب ما اكتسب كقوله «وإن أسأتم فلها» أي فعليها «والذي تولى كبره» أي تحمل معظمه «منهم له عذاب عظيم» المراد به عبد الله بن أبي سلول أي فإنه كان رأس أصحاب الإفك كان يجتمع الناس عنده ويحدثهم بحديث الإفك ويشيع ذلك بين الناس ويقول قال امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها والله ما نجت منه ولا نجا منها والعذاب العظيم عذاب جهنم في الآخرة وقيل المراد به مسطح بن أثاثة وقيل حسان بن ثابت فإنه روي أنه دخل على عائشة بعد ما كف بصره فقيل لها أنه يدخل عليك وقد قال فيك ما قال وقد قال الله تعالى والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فقالت عائشة أليس قد كف بصره فأنشد حسان قوله فيها:
حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل