إياك حفظ الرائي لغيره إذا كان يدفع الضرر عنه وذكر الأعين لتأكيد الحفظ وقيل أراد بالأعين الملائكة الموكلين بك وبحضرتهم وهم ينظرون بأعينهم إليك وإنما أضاف ذلك إلى نفسه إكراما وتعظيما لهم وقوله «ووحينا» معناه وعلى ما أوحينا إليك من صفتها وحالها عن أبي مسلم وقيل المراد بوحينا إليك أن اصنعها وذلك أنه (عليه السلام) لم يعلم صنعة الفلك فعلمه الله تعالى عن ابن عباس أي فإنا نوحي إليك بما تحتاج إليه من طوله وعرضه وهيأته «ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون» أي لا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا من قومك ولا تشفع لهم فإنهم مغرقون عن قريب وهذا غاية في الوعيد كما يقول الملك لوزيره لا تذكر حديث فلان بين يدي وقيل إنه عنى به امرأته وابنه وإنما نهاه عن ذلك ليصونه عن سؤال ما لا يجاب إليه وليصرف عنه مأثم الممالأة للطغاة «ويصنع الفلك» أي وجعل نوح (عليه السلام) يصنع الفلك كما أمره الله تعالى وقيل وأخذ نوح في صنعه السفينة بيده فجعل ينحتها ويسويها وأعرض عن قوله «وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه» أي كلما اجتاز به جماعة من أشراف قومه ورؤسائهم وهو يعمل السفينة هزؤا من فعله وقيل إنهم كانوا يقولون له يا نوح صرت نجارا بعد النبوة على طريق الاستهزاء وقيل إنما كانوا يسخرون من عمل السفينة لأنه كان يعملها في البر على صفة من الطول والعرض ولا ماء هناك يحمل مثلها فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله «قال» أي كان يقول لهم «إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون» والمراد أن تستجهلونا في هذا الفعل فإنا نستجهلكم عند نزول العذاب بكم كما تستجهلونا عن الزجاج وقيل معناه فإنا نجازيكم على سخريتكم عند الغرق والهلاك وأراد به تعذيب الله إياهم فسمى الجزاء باسم المجزي به ويحتمل أن يريد فإنا نسخر منكم بعد الغرق على وجه الشماتة لا على وجه السفه «فسوف تعلمون» أينا أحق بالسخرية أو تعلمون عاقبة سخريتكم «من يأتيه عذاب يخزيه» هذا ابتداء كلام من نوح والأظهر أن يكون متصلا بما قبله أي فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يهينه ويفضحه في الدنيا ويكون يخزيه صفة العذاب «ويحل عليه عذاب مقيم» أي وينزل عليه عذاب دائم في الآخرة .
قال الحسن كان طول السفينة ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وقال قتادة كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا وارتفاعها ثلاثين ذراعا وبابها في عرضها وقال ابن عباس كانت ثلاث طبقات طبقة للناس وطبقة للأنعام والدواب وطبقة للهوام والوحش وجعل أسفلها للوحوش والسباع والهوام وأوسطها للدواب والأنعام وركب هو ومن معه في الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد وكانت من خشب الساج وروت عائشة عن