شيئا» أي فلم يدفع عنكم كثرتكم سوءا «وضاقت عليكم الأرض بما رحبت» أي برحبتها والباء بمعنى مع والمعنى ضاقت عليكم الأرض مع سعتها كما يقال أخرج بنا إلى موضع كذا أي معنا والمراد لم تجدوا من الأرض موضعا للفرار إليه «ثم وليتم مدبرين» أي وليتم عن عدوكم منهزمين وتقديره وليتموهم أدباركم وانهزمتم «ثم أنزل الله سكينته» أي رحمته التي تسكن إليها النفس ويزول معها الخوف «على رسوله وعلى المؤمنين» حين رجعوا إليهم وقاتلوهم وقيل على المؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله علي والعباس في نفر من بني هاشم عن الضحاك بن مزاحم وروى الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن الرضا أنه قال السكينة ريح من الجنة تخرج طيبة لها صورة كصورة وجه الإنسان فتكون مع الأنبياء أورده العياشي مسندا «وأنزل جنودا لم تروها» أراد به جنودا من الملائكة وقيل إن الملائكة نزلوا يوم حنين بتقوية قلوب المؤمنين وتشجيعهم ولم يباشروا القتال يومئذ ولم يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة عن الجبائي «وعذب الذين كفروا» بالقتل والأسر وسلب الأموال والأولاد «وذلك جزاء الكافرين» أي وذلك العذاب جزاء الكافرين على كفرهم «ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء» ذكر سبحانه ثم في ثلاثة مواضع متقاربة (الأول) «ثم وليتم مدبرين» عطف على ما قبله من الفعل وهو قوله «ضاقت عليكم» (والثاني) «ثم أنزل الله سكينته» عطف على «وليتم مدبرين» (والثالث) «ثم يتوب الله» عطف على «أنزل» وإنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه يشاكله فإن الأول تذكير بنعمة الله والثاني وعد بنعمة الله والمعنى ثم يقبل الله توبة من تاب عن الشرك ورجع إلى طاعة الله والإسلام وندم على ما فعل من القبيح ويجوز أن يريد ثم يقبل الله توبة من انهزم من بعد هزيمته ويجوز أن يريد يقبل توبتهم عن إعجابهم بالكثرة وإنما علقه بالمشيئة لأن قبول التوبة تفضل من الله ولو كان واجبا على ما قاله أهل الوعيد لما جاز تعليقه بالمشيئة كما لا يجوز تعليق الثواب على الطاعة بالمشيئة ومن خالف في ذلك قال إنما علقها بالمشيئة لأن منهم من له لطف يصلح به ويتوب ويؤمن عنده ومنهم من لا لطف له منه «والله غفور» أي ستار للذنوب «رحيم» بعباده .
ذكر أهل التفسير وأصحاب السير أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما فتح مكة خرج منها متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في آخر شهر رمضان أو في شوال من سنة ثمان من الهجرة وقد اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النصري وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم ونزلوا بأوطاس وقال كان دريد بن الصمة في القوم وكان رئيس جشم وكان