فنزلت الآية عن ابن عباس وقتادة وقيل نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا وخرجوا يريدون المدينة فأدركهم قريش وفتنوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين عن مجاهد وقيل أن ياسرا وسمية أبوي عمار أول شهيدين في الإسلام وقوله «من كفر بالله» و «من شرح بالكفر صدرا» وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي وأما قوله «ثم إن ربك للذين هاجروا» الآية فقيل إنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة وأبي جندل بن سهيل بن عمرو والوليد بن المغيرة وغيرهم من أهل مكة فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ثم أنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فنزلت الآية فيهم .
«من كفر بالله من بعد إيمانه» اختلف في تقديره فقيل إن تقديره وتلخيص معناه من كفر بالله بأن يرتد عن الإسلام وشرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم «إلا من أكره» فتكلم بكلمة الكفر على وجه التقية مكرها «وقلبه مطمئن» أي ساكن «بالإيمان» ثابت عليه فلا حرج عليه في ذلك وقيل إنه يتصل بما تقدم فمعناه إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ثم استثني من ذلك من أكره على ذلك وكان مطمئن القلب إلى الإيمان في باطنه فإنه بخلافه «ولكن من شرح بالكفر صدرا» أي من اتسع قلبه للكفر وطابت نفسه به «فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» وله العذاب في الآخرة ثم أشار سبحانه إلى العذاب العظيم فقال «ذلك بأنهم استحبوا» أي آثروا «الحياة الدنيا» والتلذذ فيها والركون إليها «على الآخرة» عنى بذلك أنهم فعلوا ما فعلوه للدنيا طلبا لها دون طلب الآخرة «وأن الله لا يهدي القوم الكافرين» قد سبق معناه «أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم» قد سبق معنى الطبع على القلوب والسمع والأبصار في سورة البقرة «وأولئك هم الغافلون» وصفهم بعموم الغفلة مع أن الخواطر تزعجهم لجهلهم عما يؤدي إليه حالهم في الآخرة وقيل أراد أنهم بمنزلة الغافلين فيكون تهجينا لهم وذما ثم قال «لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون» هذا تأكيد لحكم الخسار عليهم يعني أنهم هم المغبونون إذ حرموا الجنة ونعيمها وعذبوا في النار «ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا» أي عذبوا في الله وارتدوا على الكفر فأعطوهم بعد ما أرادوا ليسلموا من شرهم «ثم جاهدوا» مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) «وصبروا» على الدين والجهاد «إن ربك من بعدها» أي من بعد تلك الفتنة أو تلك الفعلة التي فعلوها من التفوه بكلمة الكفر «لغفور رحيم» .
واتصلت هذه الآية الأخيرة بقوله «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان»