بالشكر والعبادة للمنعم بها وعلى هذا التقدير يحمل قراءة ابن عامر ألا ترى أن إذا خففت اقتضت ما يتعلق بها اقتضاءها وهي غير مخففة وقال بعض النحويين موضع أن المفتوحة جر عطفا على قوله «بما تعملون» و «أمة واحدة» نصب على الحال والكوفيون يسمونه قطعا ومن كسر لم يحملها على الفعل كما يحملها من فتح ولكن يجعلها كلاما مستأنف .
لما أخبر الله سبحانه عن إيتائه الكتاب للاهتداء ثم عما أولاه من سايغ النعماء خاطب الرسل بعد ذلك فقال «يا أيها الرسل كلوا من الطيبات» قيل هو خطاب للرسل كلهم وأمر لهم أن يأكلوا من الحلال عن السدي وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وأنه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال «يا أيها الرسل كلوا من الطيبات» وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم وقيل أراد به محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجمع عن الحسن ومجاهد وقتادة والكلبي ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا أمروا قال الحسن أما والله ما عنى به أصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم ولكنه قال انتهوا إلى الحلال منه «واعملوا صالحا» أي ما أمركم الله به وقيل إنه خطاب عيسى (عليه السلام) خاصة «إني بما تعملون عليم» هذا بيان السبب الداعي إلى إصلاح العمل فإن العاقل إذا عمل لمن يعلم عمله ويجازيه على حسب ما يعمل من عمله وبقدر استحقاقه أصلح العمل «وإن هذه أمتكم أمة واحدة» أي دينكم دين واحد عن الحسن وابن جريج ويعضده قوله إنا وجدنا آبائنا على أمة أي على دين قال النابغة
حلفت فلم أترك لنفسي ريبة
وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع وقيل هذه جماعتكم وجماعة من قبلكم واحدة كلكم عباد الله تعالى عن الجبائي «وأنا ربكم فاتقون» أي لهذا فاتقوا «فتقطعوا أمرهم بينهم» تفسير الآيتين قد تقدم في سورة الأنبياء «زبرا» أي كتبا وهو جمع زبور عن الحسن وقتادة ومجاهد والمعنى تفرقوا في دينهم وجعلوه كتبا دانوا بها وكفروا بما سواها كاليهود وكفروا بالإنجيل والقرآن والنصارى كفروا بالقرآن وقيل معناه أحدثوا كتبا يحتجون بها لمذهبهم عن ابن زيد ومن قرأ زبرا وهو ابن عامر فمعناه جماعات مختلفة فهي جمع زبرة أي تفرقوا أحزابا وانتصب «زبرا» على الحال من «أمرهم» والعامل فيه تقطع وقال الزجاج معناه جعلوا دينهم كتبا مختلفة على قراءة من قرأ زبرا فعلى هذا يكون زبرا مفعولا ثانيا «كل حزب بما لديهم فرحون» أي كل فريق بما عندهم من الدين راضون يرون أنهم على الحق ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال «فذرهم» يا محمد «في غمرتهم» أي جهلهم وضلالتهم وقيل في حيرتهم وقيل في غفلتهم وهي متقاربة «حتى