و على هذا فيكون قوله «ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم» اعتراضا وأما الجزم فيكون على وجه الدعاء عليهم وتقديره فلا آمنوا ومثله قول الأعشى:
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى
ولا تلقني إلا وأنفك راغم
«وأوحينا إلى موسى وأخيه» أي أمرناهما «أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا» أي اتخذا لمن آمن بكما بمصر يعني البلدة المعروفة بيوتا تسكنونها وتأوون إليها «واجعلوا بيوتكم قبلة» اختلف في ذلك فقيل لما دخل موسى مصر بعد ما أهلك الله فرعون أمروا باتخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله تعالى وأن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة أي الكعبة وكانت قبلتهم إلى الكعبة عن الحسن ونظيره في بيوت أذن الله أن ترفع الآية وقيل أن فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم يصلون فيها خوفا من فرعون وذلك قوله «واجعلوا بيوتكم قبلة» أي صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم وقيل معناه اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا عن سعيد بن جبير «وأقيموا الصلاة» أي أديموها وواظبوا على فعلها «وبشر المؤمنين» بالجنة وما وعد الله تعالى من الثواب وأنواع النعيم والخطاب لموسى (عليه السلام) عن أبي مسلم وقيل الخطاب لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) «وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه» أي أعطيت فرعون وقومه «زينة» يتزينون بها من الحلي والثياب وقيل الزينة الجمال وصحة البدن وطول القامة وحسن الصورة «وأموالا» يتعظمون بها «في الحياة الدنيا» وإنما أعطاهم الله تعالى ذلك للإنعام عليهم مع تعريه من وجود الاستفساد «ربنا ليضلوا عن سبيلك» اللام للعاقبة والمعنى وعاقبة أمرهم أنهم يضلون عن سبيلك ولا يجوز أن يكون لام الغرض لأنا قد علمنا بالأدلة الواضحة أن الله سبحانه لا يبعث الرسول ليأمر الخلق بالضلال ولا يريد أيضا منهم الضلال وكذلك لا يؤتيهم المال ليضلوا وقيل معناه لئلا يضلوا عن سبيلك فحذفت لا كقوله شهدنا أن تقولوا يوم القيامة أي لئلا تقولوا وحذف ذلك لدلالة العقل عليه وقيل أنه لام الدعاء والمعنى ابتلهم بالبقاء على ما هم عليه من الضلال وإنما قال ذلك لعلمه بأنهم لا يؤمنون من طريق الوحي وفائدته إظهار التبرؤ منهم كما يلعن إبليس ويدل عليه أنه أعاد قوله «ربنا اطمس على أموالهم» فدل ذلك على أنه أراد به الدعاء عليهم والمراد بالطمس على الأموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها قال مجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير صارت جميع أموالهم حجارة حتى السكر والفانيذ