فركضا أوكد في الاستعمال لأن ركضا يدل على توكيد الفعل وتقديره يركض ركضا وعلى هذا يكون معناه ولا تمش في الأرض مختالا وقيل أن طولا نصب على التمييز .
ثم قال سبحانه «ولا تقف ما ليس لك به علم» ومعناه لا تقل سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم عن ابن عباس وقتادة وقيل معناه لا تقل في قفا غيرك كلاما أي إذا مر بك فلا تغتبه عن الحسن وقيل هو شهادة الزور عن محمد بن الحنفية والأصل أنه عام في كل قول وفعل أو عزم يكون على غير علم فكأنه سبحانه قال لا تقل إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يعتقد وقد استدل جماعة من أصحابنا بهذا على أن العمل بالقياس وبخبر الواحد غير جائز لأنهما لا يوجبان العلم وقد نهى الله سبحانه عن اتباع ما هو غير معلوم «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» معناه أن السمع يسأل عما سمع والبصر عما رأى والقلب عما عزم عليه ذكر سبحانه السمع والبصر والفؤاد والمراد أن أصحابها هم المسئولون ولذلك قال «كل أولئك» وقيل بل المعنى كل أولئك الجوارح يسأل عما فعل بها قال الوالبي عن ابن عباس يسأل الله العباد فيما استعملوها وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا يزول قدم عبد يوم القيامة بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن أربع خصال عمرك فيما أفنيته وجسدك فيما أبليته ومالك من أين كسبته وأين وضعته وعن حبنا أهل البيت «ولا تمش في الأرض مرحا» معناه لا تمش على وجه الأشر والبطر والخيلاء والتكبر قال الزجاج معناه لا تمش في الأرض مختالا فخورا وقيل المرح شدة الفرح بالباطل «إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا» هذا مثل ضربه الله تعالى قال إنك أيها الإنسان لن تشق الأرض من تحت قدمك بكبرك ولن تبلغ الجبال بتطاولك والمعنى أنك لن تبلغ مما تريد كثير مبلغ كما لا يمكنك أن تبلغ هذا فما وجه المنابزة على ما هذا سبيله مع أن الحكمة زاجرة عنه وإنما قال ذلك لأن من الناس من يمشي في الأرض بطرا يدق قدميه عليها ليري بذلك قدرته وقوته ويرفع رأسه وعنقه فبين سبحانه أنه ضعيف مهين لا يقدر أن يخرق الأرض بدق قدميه عليها حتى ينتهي إلى آخرها وإن طوله لا يبلغ طول الجبال وإن كان طويلا علم الله سبحانه عباده التواضع والمروءة والوقار «كل ذلك» إشارة إلى جميع ما تقدم ذكره مما نهى الله سبحانه عنه في هذه الآيات «كان سيئه» أي معصيته «عند ربك مكروها» له سبحانه يكرهها ولا يريدها ولا يرضاها وعلى القراءة الثانية فيكون ذلك إشارة إلى جميع ما أمر به من المحسنات ونهى عنه من المقبحات أي كان سيء ما سبق من هذه