ثم ذكر سبحانه جماعة أخرى من المنافقين بنوا مسجدا للتفريق بين المسلمين وطلب الغوائل للمؤمنين فقال «والذين اتخذوا مسجدا» والمسجد موضع السجود في الأصل وصار بالعرف اسما لبقعة مخصوصة بنيت للصلاة فالاسم عرفي فيه معنى اللغة «ضرارا» أي مضارة يعني الضرر بأهل مسجد قبا أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليقل الجمع فيه «وكفرا» أي ولإقامة الكفر فيه وقيل أراد أنه كان اتخاذهم ذلك كفرا بالله وقيل ليكفروا فيه بالطعن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) والإسلام «وتفريقا بين المؤمنين» أي لاختلاف الكلمة وإبطال الألفة وتفريق الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) «وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل» أي أرصدوا ذلك المسجد واتخذوه وأعدوا لأبي عامر الراهب وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل وكان من قصته أنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح فلما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) المدينة حسده وحزب عليه الأحزاب ثم هرب بعد فتح مكة إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام وخرج إلى الروم وتنصر وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم أحد وكان جنبا فغسلته الملائكة وسمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أبا عامر الفاسق وكان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا وابنوا مسجدا فإني أذهب إلى قيصر وآتي من عنده بجنود وأخرج محمدا من المدينة فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن يجيئهم أبو عامر فمات قبل أن يبلغ ملك الروم «وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى» معناه أن هؤلاء يحلفون كاذبين ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى من التوسعة على أهل الضعف والعلة من المسلمين فأطلع الله نبيه على فساد طويتهم وخبث سريرتهم فقال «والله يشهد إنهم لكاذبون» وكفى لمن يشهد الله سبحانه بكذبه خزيا فوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم وكان مالك من بني عمرو بن عوف فقال لهما انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأهدماه وحرقاه وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا فحرقاه وأمر بأن يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف ثم نهى الله سبحانه أن يقوم في هذا المسجد فقال «لا تقم فيه أبدا» أي لا تصل فيه أبدا يقال فلان يقوم بالليل أي يصلي ثم أقسم فقال «لمسجد» أي والله لمسجد «أسس على التقوى» أي بني أصله على تقوى الله وطاعته «من أول يوم» أي منذ أول يوم وضع أساسه عن المبرد «أحق أن تقوم فيه» أي أولى بأن تصلي فيه واختلف في هذا