ثم أعلم الله سبحانه نبيه حال الأمم الماضية في مخالفة رسله وبين أن حال هؤلاء إذا سلكوا طريق المخالفة كحالهم في نزول العذاب بهم فقال «ولقد أرسلنا» وهاهنا محذوف وتقديره رسلا «إلى أمم من قبلك» فخالفوهم «فأخذناهم» وحسن الحذف للإيجاز به والاختصار من غير إخلال لدلالة مفهوم الكلام عليه «بالبأساء والضراء» يريد به الفقر والبؤس والأسقام والأوجاع عن ابن عباس والحسن «لعلهم يتضرعون» ومعناه لكي يتضرعوا وقال الزجاج لعل ترج وهذا الترجي للعباد ، المعنى فأخذناهم بذلك ليكون ما يرجوه العباد منهم من التضرع كما قال في قصة فرعون لعله يتذكر أو يخشى قال سيبويه المعنى اذهبا أنتما على رجائكما فالله عالم بما يكون من وراء ذلك أخبر الله تعالى أنه أرسل الرسل إلى أقوام بلغوا من القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم ليخضعوا ويذلوا لأمر الله فلم يخضعوا ولم يتضرعوا وهذا كالتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) «فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا» معناه فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا «ولكن قست قلوبهم» فأقاموا على كفرهم فلم تنجع فيهم العظة «وزين لهم الشيطان» بالوسوسة والإغراء بالمعصية لما فيها من عاجل اللذة «ما كانوا يعملون» يعني أعمالهم وفي هذا حجة على من قال إن الله لم يرد من الكافرين الإيمان لأنه سبحانه بين أنه إنما فعل ذلك بهم ليتضرعوا وبين أن الشيطان هو الذي زين الكفر للكافر بخلاف ما قالته المجبرة من أنه تعالى هو المزين لهم ذلك «فلما نسوا ما ذكروا به» أي تركوا ما وعظوا به عن ابن عباس وتأويله تركوا العمل بذلك وقيل تركوا ما دعاهم إليه الرسل عن مقاتل «فتحنا عليهم أبواب كل شيء» أي كل نعمة وبركة من السماء والأرض عن ابن عباس وقيل أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير عن مقاتل والمعنى أنه تعالى امتحنهم بالشدائد لكي يتضرعوا ويتوبوا فلما تركوا ذلك فتح عليهم أبواب النعم والتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة وإنما فعل ذلك بهم وإن كان الموضع موضع العقوبة والانتقام دون الإكرام والإنعام ليدعوهم ذلك إلى الطاعة فإن الدعاء إلى الطاعة يكون تارة بالعنف وتارة باللطف أو لتشديد العقوبة عليهم بالنقل من النعيم إلى العذاب الأليم «حتى إذا فرحوا بما أوتوا» من النعم واشتغلوا بالتلذذ وأظهروا السرور بما أعطوه ولم يروه نعمة من الله تعالى حتى يشكروه «أخذناهم» أي أحللنا بهم العقوبة «بغتة» أي مفاجاة من حيث لا يشعرون «فإذا هم مبلسون» أي آيسون من النجاة والرحمة عن ابن عباس وقيل أذلة خاضعون عن البلخي وقيل متحيرون منقطعوا الحجة ، والمعاني متقاربة والمراد بقوله «أبواب كل شيء» التكثير والتفخيم دون