كانوا مشركين ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فتقول له ما كانت محبتك فلانا إلا أن افتتنت منه فالفتنة هاهنا بمعنى الشرك والافتتان بالأوثان ويؤيد ذلك ما رواه عطا عن ابن عباس قال فتنتهم يريد شركهم في الدنيا وهذا القول في التأويل يرجع إلى حذف المضاف لأن المعنى لم يكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة منها بقولهم «والله ربنا ما كنا مشركين» ويسأل فيقال كيف يجوز أن يكذبوا في الآخرة ويحلفوا على الكذب والدار ليست بدار تكليف وكل الناس ملجئون فيها إلى ترك القبيح لمشاهدة الحقائق وزوال عوارض الشبه والشكوك ولمعرفتهم بالله سبحانه ضرورة والجواب أن معناه ما كنا مشركين في الدنيا عند أنفسنا وفي اعتقادنا وتقديرنا وذلك أن المشركين في الدنيا يعتقدون كونهم مصيبين فيحلفون على هذا في الآخرة فعلى هذا يكون قولهم وحلفهم يقعان على وجه الصدق وقيل أيضا أنهم إنما يحلفون على ذلك لزوال عقولهم بما يلحقهم من الدهشة من أهوال القيامة ثم ترجع عقولهم فيقرون ويعترفون ويجوز أن ينسوا إشراكهم في الدنيا بما يلحقهم من الدهشة عند مشاهدة تلك الأهوال «أنظر» المعنى يقول الله تعالى عند حلف هؤلاء أنظر يا محمد «كيف كذبوا على أنفسهم» وهذا وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فالمراد به التنبيه على التعجيب منهم ومعناه أنظر إلى إخباري عن افترائهم كيف هو فإنه لا يمكن النظر إلى ما يوجد في الآخرة وإنما كذبهم الله سبحانه في قولهم وإن كانوا صادقين عند أنفسهم لأن الكذب هو الإخبار بالشيء لا على ما هو به علم المخبر بذلك أو لم يعلم فلما كان قولهم «ما كنا مشركين» كذبا في الحقيقة جاز أن يقال كذبوا على أنفسهم وقيل معناه أنظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا لا أنهم كذبوا في الآخرة لأنهم كانوا مشركين على الحقيقة وإن اعتقدوا أنهم على الحق عن الجبائي «وضل عنهم ما كانوا يفترون» أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله غدا فذهبت عنهم في الآخرة فلم يحدوها ولم ينتفعوا بها عن الحسن وقيل أنه عام في كل ما يعبد من دون الله تعالى أنها تضل عن عابديها يوم القيامة ولا تغني عنهم شيئا واختلف أهل العدل في أن أهل الآخرة هل يجوز أن يقع منهم الكذب فالأصح أنه لا يجوز على ما قلناه وقال بعضهم يجوز ذلك لما يلحقهم من الدهش والحيرة في القيامة فإذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار فحينئذ لا يجوز أن يقع منهم القبيح والكذب ويكون جميعهم ملجئين إلى ترك القبيح وبه قال أبو بكر بن الإخشيد وأصحابه وقال بعضهم أنه يجوز وقوعه منهم على جميع الأحوال .