فهرس الكتاب

الصفحة 1473 من 4264

لم يفعل ذلك وإن كان فعله حسنا لأن الإلجاء ينافي التكليف وهذه المشيئة بخلاف المشيئة المذكورة في الآية الأولى لأن الله تعالى أثبت هذه ونفي تلك وذلك لا يستقيم إلا على الوجه الذي ذكرناه فالأولى مشيئة الاختيار والثانية مشيئة الإلجاء وقيل أن المراد أنه لو شاء لهداكم إلى نيل الثواب ودخول الجنة ابتداء من غير تكليف ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك بل كلفكم وعرضكم للثواب الذي لا يحسن الابتداء بمثله ولو كان الأمر على ما قاله أهل الجبر من أن الله سبحانه شاء منهم الكفر لكانت الحجة للكفار على الله تعالى من حيث فعلوا ما شاء الله تعالى ولكانوا بذلك مطيعين له لأن الطاعة هي امتثال الأمر المراد ولا يكون الحجة لله تعالى عليهم على قولهم من حيث إنه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر فأي حجة له عليهم مع ذلك ثم بين سبحانه أن الطريق الموصل إلى صحة مذاهبهم مفسد غير ثابت من جهة حجة عقلية ولا سمعية وما هذه صفته فهو فاسد لا محالة فقال «قل» يا محمد لهم «هلم شهداءكم» أي أحضروا وهاتوا شهداءكم «الذين يشهدون» بصحة ما تدعونه من «أن الله حرم هذا» أي هذا الذي ذكر مما حرمه المشركون من البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث والأنعام وغيرها «فإن شهدوا فلا تشهد معهم» معناه فإن لم يجدوا شاهدا يشهد لهم على تحريمها غيرهم فشهدوا بأنفسهم فلا تشهد أنت معهم وإنما نهاه عن الشهادة معهم لأن شهادتهم تكون شهادة بالباطل فإن قيل كيف دعاهم إلى الشهادة ثم قال فلا تشهد معهم فالجواب أنه أمرهم أن يأتوا بالعدول الذين يشهدون بالحق فإذا لم يجدوا ذلك وشهدوا لأنفسهم فلا ينبغي أن تقبل شهادتهم أو تشهد معهم لأنها ترجع إلى دعوى مجردة بعيدة من الصواب وقيل أنه سبحانه أراد هاتوا شهداء من غيركم ولم يكن أحد غير العرب يشهد على ذلك لأنه كان للعرب شرائع شرعوها لأنفسهم «ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ب آياتنا» الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمراد أمته أي لا تعتقد مذهب من اعتقد مذهبه هوى ويمكن أن يتخذ الإنسان المذهب هوى من وجوه منها أن يهوى من سبق إليه فيقلده فيه ومنها أن يدخل عليه شبهة فيتخيله بصورة الصحيح مع أن في عقله ما يمنع منها ومنها أن يقطع النظر دون غايته للمشقة التي تلحقه فيعتقد المذهب الفاسد ومنها أن يكون نشأ على شيء وألفه واعتاده فيصعب عليه مفارقته وكل ذلك متميز مما استحسنه بعقله «والذين لا يؤمنون بالآخرة» أي ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة إنما ذكر الفريقين وإن كانوا كلهم كفارا ليفصل وجوه كفرهم لأن منه ما يكون مع الإقرار بالآخرة كحال أهل الكتاب ومنه ما يكون مع الإنكار كحال عبدة الأوثان «وهم بربهم يعدلون» أي يجعلون له عدلا وهو المثل وفي الآية دلالة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت