سُبْحَانَهُ اقْتَضَتْ أَنْ تَرْتَبِطَ الأَسْبَابُ بِمُسَبِّبَاتهَا، ولِذَلِكَ شُرِعَ لِلعَبدِ اسْتِعْمَالُهَا مَعَ التَّوَكُّلِ علَى الله، وَاعْتِقَاد أنَّ هذا الأمْرَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ سَبَبًا، ولا أَثَرَ لَهُ إِلَّا بمشِيئَةِ الله سُبْحَانَهُ.
وَمِنْ مَشْهُورِ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الحَذَرَ لَا يُنْجِي مِنَ الْقَدَرِ (١) .
قال شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تَيْمِيَّةَ ﵀: "فالالِتِفَاتُ إِلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوُ الأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَالإِعْرَاضُ عَنِ الأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ؛ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُعْتَمِدًا عَلَى اللهِ؛ لَا عَلَى سَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ، وَاللهُ يُيَسِّرُ لَهُ مِنَ الأَسْبَابِ مَا يُصْلِحُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (٢) .
وَنَقَلَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابن القَيِّمِ ﵀ فِيمَنْ يَتْرُكُ مُبَاشَرَةَ الأَسْبَابِ قَوْلَهُ: "وَهَذَا الْأَصْلُ الفَاسِدُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، بَلْ وَمُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ" (٣) .
الاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ شُبْهَةٌ قَدِيمَةٌ يَعْتَذِرُ بِهَا الْمُشْرِكُونَ فِي تَسْوِيغِ كُفْرِهِمْ، وَتَعْلِيلِ ضَلَالِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ ﷾ أَصْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ البَاطِلَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ