وَالفَرْضُ أَعْلَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَنَصِّ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ (١) .
قَالَ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀ فِي مَعْرِضِ ذِكْرِهِ اخْتِلَافَ الفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ زَكَاةِ الفِطْرِ: "وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الفَرْضَ أَعْلَى مِنَ الوَاجِبِ" (٢) .
مِنَ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَنَّ الأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُتَفَاوِتَةٌ فِيمَا بَيْنَهَا مِنْ حَيْثُ القُوَّةُ وَالْمَرْتَبَةُ، وَلِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِرَايَةٍ بِمَرَاتِبِ الأَدِلَّةِ وَقُوَّتِهَا، فَلَا يُقْدِمُ عَلَى تَرْجِيحِ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ، وَلَا يُفَضِّلُ الْمَرْجُوحَ عَلَى الرَّاجِحِ، لَكِنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ عَزِيزِةُ الْمَنَالِ، وَاسِعَةُ الأَكْنَافِ، مُتَعَدِّدَةُ الأَطْرَافِ، لَا يَكَادُ يُحِيطُ بِهَا إِلَّا مَنْ آتَاهُ اللهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَعْمِدَ الْمُجْتَهِدُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَالْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِفْرَاغُ جُهْدِهِ فِي الجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ بَيْنَهَا، إِذْ هِيَ وَللهِ الحَمْدُ مُتَوَافِقَةٌ، يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.