فَيَحْمِلَاهُ عَلَى اعْتِقَادِ دِينِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيُعلِّمَاهُ اليَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ، فَيَصِفَ الدِّينَ، فَهُوَ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ وَالِدَيْهِ، إِذْ هُوَ فِي حُكْم الشَّرِيعَةِ تَبَعٌ لِوَالِدَيْهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ) ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (طُوبَى لَهُ لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا وَلَمْ يَدْرِ بِهِ) ، وَحَدِيثُ أُبَيٍّ بن كَعْبٍ ﵁ (١) فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (٢) ، قِيلَ: كَانَ طُبعَ كَافِرًا " (٣) .
وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: " وَحَدِيثُ: (مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ) ، احْتَجَّ أَهْلُ القَدَرِ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَبِحَدِيثِ عِيَاضٍ بن حِمَارٍ: (إِنِّي خَلَقتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم) ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٤) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بنَ الحَسَنِ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الفَرَائِصُ، وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالجِهَادِ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، مَا وَرِثَهُمَا وَلَا وَرِثَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُمَا كَافِرَانِ، وَمَا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُسْبَى، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ، وَحُدَّتِ السُّنَنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى دِينِهِمَا.
وَأَمَّا عبدُ اللهِ بنُ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: تَأْوِيلُهُ الحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) ، يَذْهَبُ أَنَّهُم إِنَّمَا يُولَدُونَ عَلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ إِسْلامِ أَوْ كُفْرٍ، فَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا،