وَلِذَلِكَ أَطْبَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ المَعْرِفَةِ بِعُلُومِهَا لِبُلُوغِ مَرْتَبَةِ الاجْتِهَادِ، بَلْ أَلْحقُوا حُكْمَهَا - بِاعْتِبَارِهَا مِنْ عُلُومِ الوَسَائِلِ - بِحُكْمِ مَقَاصِدِهَا، كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: "فَإِنَّ نَفْسَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مِنَ الدِّينِ، وَمَعْرِفَتَهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ، فَإِنَّ فَهمَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَرْضٌ، وَلَا يُفْهَمُ إِلَّا بِفَهْمِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ" (١) .
وَحَكَمَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى لِسَانِ العَرَبِ بِالجَهْلِ، فَقَدْ سُئِلَ الإِمَامُ ابْنُ رُشْدِ ﵀ عَمَّنْ قَالَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى لِسَانِ العَرَبِ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: "هَذَا جَاهِلٌ جِدًّا، لِيَنْصَرِفْ عَنْ ذَلِكَ وَلْيَتُبْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَةِ وَالإِسْلَامِ إِلَّا بِلِسَانِ العَرَبِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢) .
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنَّ قَائِلَ هَذَا القَوْلِ لَيْسَ بِجَاهِلٍ، وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ يَقْرَأُ الحَدِيثَ وَالْمَسَائِلَ، فَقَالَ ﵀: وَإِنْ كَانَ، فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ مِنْهُ عَظِيمٌ، يُقَالُ لَهُ: تُبْ مِنْهُ، وَأَقْلِعْ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِخُبْثٍ مِنْهُ فِي دِينِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيُؤَدِّبُهُ الإِمَامُ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَرَى، فَقَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا) (٣) .
وَقَدْ أَفَاضَ الإِمَامُ قِوامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀ مِنَ النَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَاسْتَغْرَقَتْ نُقُولُهُ عَدَدًا من كُتُبِ الأَئمَّةِ الْمُقَدِّمِينَ كَأَبِي عَمْرِو بْنِ العَلَاءِ، وَالكِسَائِيِّ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، وَابْنِ السِّكِيتِ، وَشَمِر