أو سفر، بخلاف القصر فإنه خاص بالسفر، ولذلك كان من رخصه المطلقة التي تفعل عند الحاجة وعدمها.
فإذا تبين أن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - دائمًا، أو غالبًا أنه لا يجمع في السفر إذا كان نازلًا، ظهر أن جمعه بمزدلفة إنما كان من أجل أنه وقت المغرب كان سائرًا في دفعه من عرفة إلى مزدلفة، وأنه لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العشاء، ولذلك قال أهل العلم: أنه يستحب جمع التأخير بمزدلفة، واستدلوا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا ظاهر منهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل مزدلفة إلا بعد دخول وقت العشاء، وهذا هو ظاهر الحال أيضًا،
فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان واقفًا في شرقي عرفة، ولم يدفع من محله إلا بعد غروب الشمس، ويقول للناس:"السكينة السكينة"وقد شنق لناقته الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، لا يرخه لها إلا إذا أتى جبلًا، وإذا وجد فجوة نص (1) ، ونزل في أثناء الطريق، فبال وتوضأ
وضوءَا خفيفًا، فلما وصل مزدلفة توضأ فأسبغ (2) ، وهذا يدل على أنه لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العشاء، وعلى هذا فهو محتاج إلى جمع التأخير، ولذلك لما وصل مزدلفة بادر بصلاة المغرب قبل تبريك الإبل، فلما فرغ منها بركوا الإبل كل إنسان في منزله، ثم صلى العشاء الآخرة. وجاء في عبارة ابن القيم- رحمه الله- في الهدي أنهم حطوا الرحال بين صلاة المغرب والعشاء، فإما أن تكون رواية أخرى، وإما
(1) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. أخرجه
البخاري، كتاب الحج، باب السير إذا دفع من عرفة (رقم 1666) ومسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات 000 (1286) (283) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية (رقم 1285) .