إعراب القرآن الكريم، ج 3، ص: 536
** إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: هذا القول الكريم هو نهاية الآية الكريمة السادسة والخمسين. و «المحسنين» جمع «المحسن» وهو إسم فاعل يعمل عمل فعله المتعدي إلى المفعول وقد حذف مفعوله اختصارا. التقدير: المحسنين أعمالهم. وفي القول الكريم ذكّر خبر «إنّ» وهو «قريب» مع أن اسم «إنّ» مؤنث وهو «رحمة» والسبب في ذلك أنّ «الرحمة» جاءت على تأويل «الرحم» أو «الترحم» أو لأنه صفة موصوف محذوف بتقدير:
شيء أو أمر قريب .. أو على تشبيهه بصيغة «فعيل» بمعنى: مفعول .. أو لأن تأنيث «رحمة» تأنيث مجازي أي غير حقيقي فرق بينهما بحرف التأنيث مثل «الرؤيا» بمعنى «الرؤية» إلّا أنها مختصة بما كان في المنام دون اليقظة فرق بينهما بحرفي التأنيث كما قيل: القربة والقربى. وفي صيغة فعيل وهي من صيغ المبالغة يستوي فيها المؤنث والمذكر. قال الفيّوميّ: قال أبو عمرو بن العلاء: للقريب في اللغة معنيان: أحدهما قريب قرب فيستوي فيه المذكر والمؤنث فيقال: زيد قريب منك وهند قريب منك لأنه من قرب المكان والمسافة فكأنّه قيل: هند موضعها قريب ومنه الآية الكريمة المذكورة. والثاني:
قريب قرابة فيطابق فيقال: هند قريبة وهما قريبتان. وقال الخليل: القريب والبعيد: يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع. وقال ابن الأنباريّ: قريب: مذكر موحد. تقول هند قريب والهندات قريب لأن المعنى: الهندات مكان قريب وكذلك البعيد ويجوز أن يقال:
قريبة وبعيدة لأنك تبنيهما على «قربت» وبعدت» وجاء في قوله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ» لا يجوز حمل التذكير على معنى: إنّ فضل اللّه لأنه صرف اللفظ عن ظاهره بل لأن اللفظ وضع للتذكير والتوحيد وحمله الأخفش على التأويل فقال المعنى أنّ نظر اللّه. وزيد قريبي وهم الأقرباء والأقارب والأقربون وهند قريبتي وهنّ القرائب. قال الشاعر:
دعوتك بالقرابة والجوار ... دعاء مصرّح بادي السّرار
لأنّي عنك مشتغل بنفسي ... و محترق عليك بغير نار
وقالت العرب: تقاربوا بالمودّة ولا تتكلموا عن القرابة. وقال الشاعر طرفة بن العبد في معلّقته:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
يقول الشاعر: ظلم الأقارب أشدّ تأثيرا في تهييح نار الحزن والغضب من وقع السيف القاطع المحدد أو المطبوع. و «المضاضة» من: مضّني الأمر وأمضّني: بمعنى: بلغ من قلبي وأثّر في نفسي تهييج الحزن والغضب. وقالت العرب: ظلم الأقارب أشدّ مضاضة أو مضضا من وقع السيف.
** حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ: هذا القول الكريم ذكر في الآية الكريمة السابقة المعنى والتقدير: حتى إذا حملت الرياح سحبا مثقلة بالمياه دفعناها لبد ميت لإحيائه أي لإحياء أرض مجدبة لا نبات فيها. وكان مقتضى اللغة أن يقال: سقناها لأن السحاب بمعنى «سحائب» وهي جمع «سحابة» ولكن الضمير «الهاء» أفرد وذكّر .. باعتبار لفظ «سحاب» لا معناه.
** لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ: التقدير: يشكرون نعمة اللّه عليهم .. فحذف مفعول «يشكرون» اختصارا لأنه معلوم وهو النعمة.