فهرس الكتاب
بتعظيم أمر الجيش وتفخيمه ولم يقف أحد منهم على من يقوده ويرأسه فزاد ذلك في جزعه وارتياعه فبادر بالإرسال إلى علي بن أبان يعلمه خبر الجيش الوارد ويأمره بالمصير إليه فيمن معه ووافى الجيش فأناخ بإزائه فلما كان اليوم الذي كانت فيه الوقعة وهو يوم الأربعاء خرج الخبيث ليطوف في عسكره ماشيا ويتأمل الحال فيمن هو مقيم معه من حزبه ومن هو مقيم بإزائه من أهل حربه وقد كانت السماء مطرت في ذلك اليوم مطرا خفيفا والأرض ثرية تزل عنها الأقدام فطوف ساعة من أول النهار ثم رجع فدعا بدواة وقرطاس لينفذ كتابا إلى علي بن أبان يعلمه ما قد أطله من الجيش ويأمره بتقديم من قدر على تقديمه من الرجال فإنه لفي ذلك إذ أتاه المكتنى أبا دلف وهو أحد قواد السودان فقال له إن القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزنج وليس في وجوههم من يردهم حتى انتهوا إلى الحبل الرابع فصاح به وانتهره وقال اغرب عني فإنك كاذب فيما حكيت وإنما ذلك جزع دخلك لكثرة ما رأيت من الجمع فانخلع قلبك ولست تدري ما تقول فخرج أبو دلف من بين يديه وأقبل على كاتبه وقد كان أمر جعفر بن إبراهيم السجان بالنداء في الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب فأتاه السجان فأخبره أنه قد ندب الزنج فخرجوا وإن أصحابه قد ظفروا بسميريتين فأمره بالرجوع لتحريك الرجالة فرجع ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى أصيب مفلح بسهم غرب لا يعرف الرامي به ووقعت الهزيمة وقوي الزنج على أهل حربهم فنالوهم بما نالوهم به من القتل ووافى الخبيث زنجه بالرؤوس قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوها بين يديه فكثرت الرؤوس يومئذ حتى ملأت كل شيء وجعل الزنج يقتسمون لحوم القتلى ويتهادونها بينهم
وأتي الخائن بأسير من أبناء الفراغنة فسأله عن رأس الجيش فأعلمه بمكان أبي أحمد ومفلح فارتاع لذكر أبي أحمد وكان إذا راعه أمر كذب به فقال ليس في الجيش غير مفلح لأني لست أسمع الذكر إلا له ولو كان في الجيش من ذكر هذا الأسير لكان صوته أبعد ولما كان مفلح إلا تابعا له ومضافا إلى صحبته
وقد كان أهل عسكر الخبيث لما خرج عليهم أصحاب أبي أحمد جزعوا جزعا شديدا وهربوا من منازلهم ولجؤوا إلى النهر المعروف بنهر أبي الخصيب ولا جسر يومئذ عليه فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان ولم يلبث الخبيث بعد الوقعة إلا يسيرا حتى وافاه علي بن أبان في جمع من أصحابه فوافاه وقد استغنى عنه ولم يلبث مفلح أن مات وتحيز أبو أحمد إلى الأبلة ليجمع ما فرقت الهزيمة منه ويجدد الاستعداد ثم صار إلى نهر أبي الأسد فأقام به
قال محمد بن الحسن فكان الخبيث لا يدري كيف قتل مفلح فلما بلغه أنه أصيب بسهم ولم ير أحدا ينتحل رميه ادعى أنه كان الرامي له
قال فسمعته يقول سقط بين يدي سهم فأتاني به واح خادمي فدفعه إلي فرميت به فأصبت مفلحا
قال محمد وكذب في ذلك لأني كنت حاضرا ذلك المشهد وما زال عن فرسه حتى أتاه المخبر بخبر الهزيمة وأتي بالرؤوس وانقضت الحرب
وفي هذه السنة وقع الوباء في الناس في كور دجلة فهلك فيها خلق كثير في مدينة السلام وسامرا وواسط وغيرها