وخرج جورجس رسول ملكة الروم إلى ناحية الثغور يوم السبت لثمان بقين من رجب على سبعين بغلا اكتريت له وخرج معه أبو قحطبة المغربي الطرطوسي لينظروا وقت الفطر وكان جورجس قدم معه جماعة من البطاركة وغلمانه بنحو من خمسين إنسانا وخرج شنيف الخادم للفداء في النصف من شعبان معه مائة فارس ثلاثون من الأتراك وثلاثون من المغاربة وأربعون من فرسان الشاكرية فسأل جعفر بن عبد الواحد وهو قاضي القضاة أن يؤذن له في حضور الفداء وأن يستخلف رجلا يقوم مقامه فأذن له وأمر له بمائة وخمسين ألفا معونة وأرزاق ستين ألفا فاستخلف ابن أبي الشوارب وهو يومئذ فتى حدث السن وخرج فلحق شنيفا وخرج أهل بغداد من أوساط الناس فذكر أن الفداء وقع من بلاد الروم على نهر اللامس يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين فكان أسرى المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين إنسانا ومن النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة
وفي هذه السنة جعل المتوكل كورة شمشاط عشرا ونقلهم من الخراج إلى العشر وأخرج لهم بذلك كتابا
وفي هذه السنة غارت البجة على حرس من أرض مصر فوجه المتوكل لحربهم محمد بن عبد الله القمي
ذكر أن البجة كانت لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة قد ذكرناها فيما مضى قبل من كتابنا هذا وهم جنس من أجناس الحبش بالمغرب وبالمغرب من السودان فيما ذكر البجة وأهل غانة الغافر وبينور ورعوين والفروية وبكسوم ومكاره أكرم والنوبة والحبش وفي بلاد البجة معادن ذهب فهم يقاسمون من يعمل فيها ويؤدون إلى عمال السلطان في مصر في كل سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تبر قبل أن يطبخ ويصفى
فلما كان أيام المتوكل امتنعت البجهة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية فذكر أن المتوكل ولى بريد مصر رجلا من خدمه يقال له يعقوب بن إبراهيم الباذغيسي مولى الهادي وهو المعروف بقوصرة وجعل إليه بريد مصر والإسكندرية وبرقة ونواحي المغرب فكتب يعقوب إلى المتوكل أن البجة قد نقضت العهد الذي كان بينها وبين المسلمين وخرجت من بلادها إلى معادن الذهب والجوهر وهي على التخوم فيما بين أرض مصر وبلاد البجة فقتلوا عدة من المسلمين ممن كان يعمل في المعادن ويستخرج الذهب والجوهر وسبواعدة من ذراريهم ونسائهم وذكروا أن المعادن لهم في بلادهم وأنهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها وأن ذلك أوحش جميع من كان يعمل في المعادن من المسلمين فانصرفوا عنها خوفا على أنفسهم وذراريهم فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان بحق الخمس من الذهب والفضة والجوهر الذي يستخرج من المعادن فاشتد إنكار المتوكل لذلك وأحفظه وشاور في أمر البجة فأنهي إليه أنهم قوم أهل بدو وأصحاب إبل وماشية وأن الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن أن يسلك إليهم الجيوش لأنها مفاوز وصحارى وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل ولا حصن وأن من يدخلها من أولياء السلطان يحتاج أن يتزود لجميع المدة التي يتوهم أن يقيمها في بلادهم إلى أن يخرج إلى أرض الإسلام فإن امتد به المقام حتى