فهرس الكتاب
وكتب إلى جميع عماله في أجناد الشأم جند حمص والأردن وفلسطين بمثل ذلك فلما كان يوم الجمعة لاحدى عشرة بقيت من رجب صلى الجمعة إسحاق بن يحيى بن معاذ في مسجد دمشق فقال في خطبته بعد دعائه لأمير المؤمنين اللهم وأصلح الأمير أخا المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبا إسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد وفي هذه السنة توفي المأمون
وفاته ذكر عن سعيد العلاف القارئ قال أرسل إلي المأمون وهو ببلاد الروم وكان دخلها من طرسوس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة فحملت إليه وهو في البدندون فكان يستقرئني فدعاني يوما فجئت فوجدته جالسا على شتاطئ البدندون وأبو إسحاق المعتصم جالس عن يمينه فأمرني فجلست نحوه منه فإذا هو وأبو إسحاق مدليان أرجلهما في ماء البدندون فقال يا سعيد دل رجليك في هذا الماء وذقه فهل رأيت ماء قط أشد بردا ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه ففعلت وقلت يا أمير المؤمنين ما رأيت مثل هذا قط قال أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه فقلت أمير المؤمنين أعلم فقال رطب الآزاذ فبينا هو يقول هذا إذا سمع وقع لجم البريد فالتفت فنظر فإذا بغال من بغال البريد على أعجازها حقائب فيه الألطاف فقال لخادم له اذهب فانظر هل في هذه الألطاف رطب فانظره فإذا كان آزاد فأت به فجاء يسعى بسلتين فيهما رطب آزاد كأنما جني من النخل تلك الساعة فأظهر شكرا لله تعالى وكثر تعجبنا منه فقال ادن فكل فأكل هو وأبو إسحاق وأكلت معهما وشربنا جميعا من ذلك الماء فما قام منا أحد إلا وهو محموم فكانت منية المأمون من تلك العلة ولم يزل المعتصم عليلا حتى دخل العراق ولم أزل عليلا حتى كان قريبا
ولما اشتدت بالمأمون علته بعث إلى ابنه العباس وهو يظن أن لن يأتيه فأتاه وهو شديد المرض متغير العقل قد نفذت الكتب بما نفذت له في أمر أبي إسحاق بن الرشيد فأقام العباس عند أبيه أياما وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاق
وقيل لم يوص إلا والعباس حاضر والقضاة والفقهاء والقواد والكتاب وكانت وصيته هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين بحضرة من حضره أشهدهم جميعا على نفسه أن يشهد ومن حضره أن الله عز و جل وحده لا شريك له في ملكه ولا مدبر لأمره غيره وأنه خالق وما سواه مخلوق ولا يخلو القرآن أن يكون شيئا له مثل ولا شيء مثله تبارك وتعالى وأن الموت حق والبعث حق والحساب حق وثواب المحسن الجنة وعقاب المسيء النار وأن محمدا صلى الله عليه و سلم قد بلغ عن ربه شرائع دينه وأدى نصيحته إلى أمته حتى قبضه الله إليه صلى الله عليه أفضل صلاة صلاها على أحد من ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وأني مقر مذنب أرجو وأخاف إلا أني إذا ذكرت عفو الله رجوت فإذا أنا مت فوجهوني وغمضوني وأسبغوا وضوئي وطهوري وأجيدوا كفني ثم أكثروا حمد الله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد إذ جعلنا من أمته المرحومة ثم أضجعوني على سريري ثم عجلوا بيه فإذا أنتم وضعتموني للصلاة فليتقدم بها من هو أقربكم بي نسبا وأكبركم سنا فليكبر خمسا يبدأ في الأولى في أولها بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على سيدي وسيد المرسلين