فهرس الكتاب
الموفق
واستمد الفسقة طاغيتهم فوافاهم المهلبي وسليمان بن جامع في جيشهما فقويت قلوبهم عند ذلك وحملوا على أصحاب الموفق وخرج سليمان كمينا مما يلي جوى كور فأزالوا أصحاب الموفق حتى انتهوا إلى سفنهم وقتلوا منهم جماعة وانصرف الموفق ولم يبلغ كل الذي أراد وتبين أنه قد كان يجب أن يحارب الفسقة من عدة مواضع ليفرق جمعهم فيخف وطؤهم على من يقصد لهذا الموضع الصعب وينال منه ما يحب فعزم على معاودتهم وتقدم إلى أبي العباس وغيره من قواده في العبور واختيار أنجاد رجالهم ووكل مسرورا مولاه بالنهر المعروف بمنكى وأمره أن يخرج رجاله في ذلك الموضع وما يتصل به من الجبال والنخل لتشتغل قلوب الفجرة وليروا أن عليهم تدبيرا من تلك الجهة وأمر أبا العباس بإخراج أصحابه على جوى كور ونظم الشذا على هذه المواضع حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالدباسين وهو أسفل نهر الغربي وصار الموفق إلى نهر الغربي وأمر وقواده وغلمانه أن يخرجوا في أصحابهم فيحاربوا الفسقة في حصنهم ومعقلهم وإلا ينصرفوا عنهم حتى يفتح الله لهم أو يبلغ إرادته منهم ووكل بالسور من يهدمه وتسرع الفسقة كعادتهم وأطمعهم ما تقدم من الوقعتين اللتين ذكرناهما فثبت لهم غلمان الموفق وصدقوهم اللقاء فأنزل الله عليهم نصره فأزالوا الفسقة عن مواقفهم وقوي أصحاب الموفق فحملوا عليهم حملة كشفوهم بها فانهزموا وخلوا عن حصنهم وصار في أيدي غلمان الموفق فهدموه وأحرقوا منازلهم وغنموا ما كان فيها واتبعوا المنهزمين منهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا واستنقذوا من هذا الحصن من النساء المأسورات خلقا كثيرا فأمر الموفق بحملهن والإحسان إليهن وأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم ففعلوا وانصرف إلى عسكره بالموفقية وقد بلغ ما حاول من هذا الموضع
وفيها دخل الموفق مدينة الفاسق وأحرق منازله من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب
ذكر أن أبا أحمد لما أراد ذلك بعد هدمه سور داره ذلك أقام يصلح المسالك في جنبتي نهر أبي الخصيب وفي قصر الفاسق ليتسع على المقاتلة الطريق في الدخول والخروج للحرب وأمر بقلع باب قصر الخبيث الذي كان انتزعه من حصن أروخ بالبصرة فقلع وحمل إلى مدينة السلام ثم رأى القصد لقطع الجسر الأول الذي كان على نهر أبي الخصيب لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضا عند وقوع الحرب في نواحي عسكرهم فأمر بإعداد سفينة كبيرة تملأ قصبا قد سقي النفط وأن ينصب في وسط السفينة دقل طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا لصقت به وانتهز الفرصة في غفلة الفسقة وتفرقهم
فلما وجد ذلك في آخر النهار قدمت السفينة فجرها الشذا حتى وردت النهر وأشعل فيها النيران وأرسلت وقد قوي المد فوافت القنطرة ونذر الزنج بها وتجمعوا وكثروا حتى ستروا الجسر وما يليه وجعلوا يقذفون السفينة بالحجارة والآجر ويهيلون عليها التراب ويصبون الماء وغاص بعضهم فنقبها وقد كانت أحرقت من الجسر شيئا يسيرا فأطفأه الفسقة وغرقوا السفينة وحازوها فصارت في أيديهم
فلما رأى أبو أحمد فعلهم ذلك عزم على مجاهدتهم على هذا الجسر حتى يقطعه فسمى لذلك قائدين من قواد غلمانه وأمرهما بالعبور في جميع أصحابهما في السلاح الشاك واللأمة الحصينة والآلات المحكمة