فهرس الكتاب
وقد كان أصحاب الموفق في أول خروجهم إلى هذا الموضع وصلوا إلى طرف من أطراف هذه السوق فأضرموه نارا فاحترق فاتصلت النار بأكثر السوق فكان الفريقان يتحاربون والنار محيطة بهم ولقد كان ما علا من ظلال يحترق فيقع على رؤوس المقاتلة فربما أحرق بعضهم وكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس وإقبال الليل ثم تحاجزوا وانصرف الموفق وأصحابه إلى سفنهم ورجع الفسقة إلى طاغينهم بعد أن احترق السوق وجلا عنها أهلها ومن كان فيها من تجار عسكر الخائن وسوقتهم فصاروا في أعلى مدينته بما تخلصوا به من أموالهم وأمتعتهم وقد كانوا تقدموا في نقل جل تجارتهم وبضائعهم من هذه السوق خوفا من مثل الذي نالهم في اليوم الذي أظفر الله فيه الموفق بدار الهمداني وهيأ له إحراق ما أحرق حولها
ثم أن الخبيث فعل في الجانب الشرقي من حفر الخنادق وتعوير الطرق ما كان فعل في الجانب الغربي بعد هذه الوقعة واحتفر خندقا عريضا من حد جوى كور إلى نهر الغربي وكان أكثر عنايته بتحصين ما بين دار الكرنبائي إلى النهر المعروف بجوى كور لأنه كان في هذا الموضع جل منازل أصحابه ومساكنهم وكان من حد جوى كور إلى نهر الغربي بساتين ومواضع قد أخلوها والسور والخندق محيطان بها وكانت الحرب إذا وقعت في هذا الموضع قصدوا من موضعهم إليه للمحاماة عنه والمنع منه فرأى الموفق عند ذلك أن يخرب باقي السور إلى نهر الغربي ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة
وكان الفاسق في الجانب الشرقي من نهر الغربي في عسكر فيه جمع من الزنج وغيرهم متحصنين بسور منيع وخنادق وهم أجلد أصحاب الخبيث وشجعانهم فكانوا يحامون عما قرب من سور نهر الغربي وكانوا يخرجون في ظهور أصحاب الموفق في وقت الحرب على جوى كور وما يليه فأمر الموفق بقصد هذا الموضع ومحاربة من فيه وهدم سوره وإزالة المتحصنين به فتقدم عند ذلك إلى أبي العباس وعدة من قواد غلمانه ومواليه في التأهب لذلك ففعلوا ما أمروا به وصار الموفق بمن أعده إلى نهر الغربي وأمر بالشذا فنظمت من حد النهر المعروف بجوى كور إلى الموضع المعروف بالدباسين وخرج المقاتلة على جنبتي نهر الغربي ووضعت السلاليم على السور
وقد كانت لهم عليه عدة عرادات ونشبت الحرب ودامت مذ أول النهار إلى بعد الظهر وهدم من السور مواضع وأحرق ما كان عليه من العرادات وتحاجر الفريقان وليس لأحدهما فضل على صاحبه إلا ما وصل إليه أصحاب الموفق من هذه المواضع التي هدموها وإحراق العرادات ونال الفريقين من ألم الجراح أمر غليظ موجع
فانصرف الموفق وأصحابه إلى الموفقية فأمر بمداواة الجرحى ووصل كل امرئ على قدر الجراح التي أصابته وعلى ذلك كان اجري التدبير في جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق إلى أن قتله الله
وأقام الموفق بعد هذه الوقعة مدة ثم رأى معاودة هذا الموضع والتشاغل به عن الموضع لما رأى من حصانته وشجاعة من فيه وصبرهم وأنه لا يتهيأ ما يقدر فيما بين نهر الغربي وجوى كور إلا بعد إزالة هؤلاء فأعد ما يحتاج إليه من آلات الهدم واستكثر من الفعلة وانتخب المقاتلة الناشبة والرامحة والسودان أصحاب السيوف وقصد هذا الموضع على مثل قصده له المرة الأولى فأخرج الرجالة في المواضع التي رأى إخراجهم فيها وأدخل عددا من الشذا النهر ونشبت الحرب ودامت وصبر الفسقة أشد صبر وصبر لهم أصحاب