فهرس الكتاب

الصفحة 3196 من 3305

وقد كان أصحاب الموفق في أول خروجهم إلى هذا الموضع وصلوا إلى طرف من أطراف هذه السوق فأضرموه نارا فاحترق فاتصلت النار بأكثر السوق فكان الفريقان يتحاربون والنار محيطة بهم ولقد كان ما علا من ظلال يحترق فيقع على رؤوس المقاتلة فربما أحرق بعضهم وكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس وإقبال الليل ثم تحاجزوا وانصرف الموفق وأصحابه إلى سفنهم ورجع الفسقة إلى طاغينهم بعد أن احترق السوق وجلا عنها أهلها ومن كان فيها من تجار عسكر الخائن وسوقتهم فصاروا في أعلى مدينته بما تخلصوا به من أموالهم وأمتعتهم وقد كانوا تقدموا في نقل جل تجارتهم وبضائعهم من هذه السوق خوفا من مثل الذي نالهم في اليوم الذي أظفر الله فيه الموفق بدار الهمداني وهيأ له إحراق ما أحرق حولها

ثم أن الخبيث فعل في الجانب الشرقي من حفر الخنادق وتعوير الطرق ما كان فعل في الجانب الغربي بعد هذه الوقعة واحتفر خندقا عريضا من حد جوى كور إلى نهر الغربي وكان أكثر عنايته بتحصين ما بين دار الكرنبائي إلى النهر المعروف بجوى كور لأنه كان في هذا الموضع جل منازل أصحابه ومساكنهم وكان من حد جوى كور إلى نهر الغربي بساتين ومواضع قد أخلوها والسور والخندق محيطان بها وكانت الحرب إذا وقعت في هذا الموضع قصدوا من موضعهم إليه للمحاماة عنه والمنع منه فرأى الموفق عند ذلك أن يخرب باقي السور إلى نهر الغربي ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة

وكان الفاسق في الجانب الشرقي من نهر الغربي في عسكر فيه جمع من الزنج وغيرهم متحصنين بسور منيع وخنادق وهم أجلد أصحاب الخبيث وشجعانهم فكانوا يحامون عما قرب من سور نهر الغربي وكانوا يخرجون في ظهور أصحاب الموفق في وقت الحرب على جوى كور وما يليه فأمر الموفق بقصد هذا الموضع ومحاربة من فيه وهدم سوره وإزالة المتحصنين به فتقدم عند ذلك إلى أبي العباس وعدة من قواد غلمانه ومواليه في التأهب لذلك ففعلوا ما أمروا به وصار الموفق بمن أعده إلى نهر الغربي وأمر بالشذا فنظمت من حد النهر المعروف بجوى كور إلى الموضع المعروف بالدباسين وخرج المقاتلة على جنبتي نهر الغربي ووضعت السلاليم على السور

وقد كانت لهم عليه عدة عرادات ونشبت الحرب ودامت مذ أول النهار إلى بعد الظهر وهدم من السور مواضع وأحرق ما كان عليه من العرادات وتحاجر الفريقان وليس لأحدهما فضل على صاحبه إلا ما وصل إليه أصحاب الموفق من هذه المواضع التي هدموها وإحراق العرادات ونال الفريقين من ألم الجراح أمر غليظ موجع

فانصرف الموفق وأصحابه إلى الموفقية فأمر بمداواة الجرحى ووصل كل امرئ على قدر الجراح التي أصابته وعلى ذلك كان اجري التدبير في جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق إلى أن قتله الله

وأقام الموفق بعد هذه الوقعة مدة ثم رأى معاودة هذا الموضع والتشاغل به عن الموضع لما رأى من حصانته وشجاعة من فيه وصبرهم وأنه لا يتهيأ ما يقدر فيما بين نهر الغربي وجوى كور إلا بعد إزالة هؤلاء فأعد ما يحتاج إليه من آلات الهدم واستكثر من الفعلة وانتخب المقاتلة الناشبة والرامحة والسودان أصحاب السيوف وقصد هذا الموضع على مثل قصده له المرة الأولى فأخرج الرجالة في المواضع التي رأى إخراجهم فيها وأدخل عددا من الشذا النهر ونشبت الحرب ودامت وصبر الفسقة أشد صبر وصبر لهم أصحاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت