فهرس الكتاب
السجن فقال الملأ من قومه إنك إن تركته طليقا يكلم الناس أوشك أن يميل بهم عليك ولكن مر له بعذاب في السجن سشغله عن كلام الناس فأمر فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد في يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد في كل ركن منها وتد ثم أمرر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره حمل ذلك الأسطوان سبعة رجال فلم يقلوه ثم أربعة عشر رجلا فلم يقلوه ثم ثمانية عشر رجلا فأقلوه فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر
فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكا وذلك أول ما أيد بالملائكة وأول ما جاءه الوحي فقلع عنه الحجر ونزع الأوتاد من يديه ورجليه وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبح أخرجه من السجن وقال له الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده فإن الله يقول لك أبشر واصبر فإن أبتليك بعدوي هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرار في كل ذلك أرد إليك روحك فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك فلم يشعر الآخرون إلا وقد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم إلى الله فقال له الملك أجرجيس قال نعم قال من أخرجك من السجن قال أخرجني الذي سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك ملىء غيظا فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا فلما رآها جرجيس تصنف له أوجس في نفه خيفة وجزعا ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ووضعوا عليه سيفا على مفرق رأسه فوشروه حتى سقط بين رجليه وصار جزلتين ثم عمدوا إلى جزلتيه فقطعوهما قطعا وله سبعة أسد ضارية في جب وكانت صنفا من أصناف عذابه ثم رموا بجسده إليها فلما هوى نحوها أمر الله الأسد فخضعت برؤوسها وأعناقها وقامت على براثنها لا تألو أن تقيه الأذى فظل يومه ذلك ميتا فكانت أول ميتة ذاقها فلما أدركه الليل جمع الله له جسده الذي قطعوه بعضه على بعض حتى سواه ثم رد فيه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجب وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبحوا قال له الملك يا جرجيس قال لبيك قال اعلم أن القدرة التي خلق آدم بها من تراب هي التي أخرجتك من قعر الجب فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده ومت موت الصابرين
فلم يشعر الآخرون إلا وقد أقبل جرجيس وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا زعموا بموت جرجيس فلما نظروا إلى جرجيس مقبلا قالوا ما أشبه هذا بجرجيس قالوا كأنه هو قال الملك ما بجرجيس من خفاء إنه لهو ألا ترون إلى سكون ريحه وقلة هيبته قال جرجيس بلى أنا هو حقا بئس القوم أنتم قتلتم ومثلتم فكان الله وحق له خيرا وأرحم منكم أحياني ورد علي روحي هلم إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض فقالوا ساحر سحر أيديكم وأعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم من السحرة فلما جاء السحرة قال الملك لكبيرهم أعرض علي من كبير سحرك ما تسري به عني قال له ادع لي بثور من البقر فلما أتي به نفث في إحدى أذنيه فانشقت باثنتين ثم نفث في الأخرى فإذا هو ثوران ثم أمر ببذر فحرث وبذر ونبت الزرع وأينع وحصد ثم داس وذرى وطحن وعجن وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما ترون قال له الملك هل تقدر على أن تمسخه لي دابة قال الساحر أي دابة أمسخه لك قال كلبا قال ادع لي بقدح من ماء فلما أتي بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال للملك اعزم عليه أن يشربه فشربه جرجيس حتى أتى على