فهرس الكتاب
حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم فقال يا أمه خذلني الناس حتى ولدي وأهلي فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع من صبر ساعة والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت أنت والله يا بني أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان أمية وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين وكم خلودك في الدنيا القتل أحسن فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال هذا والله رأيي والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمه ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عملا بفاحشة ولم يجر في حكم الله ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ولم يبغلني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي أنت أعلم بي ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني فقالت أمه إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني وإن تقدمتك ففي نفسي اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك قال جزاك الله يا أمه خيرا فلا تدعي الدعاء لي قبل وبعد فقالت لا أدعه أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبره بأبيه وبي اللهم قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبدالله ثواب الصابرين الشاكرين
قال مصعب بن ثابت فما مكثت بعده إلا عشرا ويقال خمسة أيام
قال محمد بن عمر حدثني موسى بن يعقوب بن عبدالله عن عمه قال دخل ابن الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفر فوقف فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت هذا وداع فلا تبعد قال ابن الزبير جئت مودعا إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بي واعلمي يا أمه أني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي قالت صدقت يا بني أتمم على بصيرتك ولا تمكن ابن أبي عقيل منك وادن مني أودعك فدنا منها فقبلها وعانقها وقالت حيث مست الدرع ما هذا صنيع من يريد ما تريد قال ما لبست هذا الدرع إلا لأشد منك قالت العجوز فإنه لا يشد مني فنزعها ثم أدرج كميه وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت القميص فأدخل أسفلها في المنطقة وأمه تقول البس ثيابك مشمرة ثم انصرف ابن الزبير وهو يقول ... إني إذا أعرف يومي أصبر ... إذ بعضهم يعرف ثم ينكر ...
فسمعت العجوز قوله فقالت تصبر والله إن شاء الله أبوك أبو بكر والزبير وأمك صفية بنت عبد المطلب حدثني الحارث قال حدثني ابن سعد قال أخبرني محمد بن عمر قال أخبرنا ثور بن يزيد عن شيخ من أهل حمص شهد وقعة ابن الزبير مع أهل الشام قال رأيته يوم الثلاثاء وإنا لنطلع عليه أهل حمص خمسمائة خمسمائة من باب لنا ندخله لا يدخله غيرنا فيخرج إلينا وحده في أثرنا ونحن منهزمون