وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حمادا التركي قال بعث المنصور رجالا في سنة خمس وأربعين ومائة يطلبون له موضعا يبني فيه مدينته فطلبوا وارتادوا فلم يرض موضعا حتى جاء فنزل الدير على الصراة فقال هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة ومن هذه الصراة
وذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر عن أبيه قال لما أراد أبو جعفر أن يبني مدينته ببغداد رأى راهبا فناداه فأجابه فقال تجدون في كتبكم أنه تبنى هاهنا مدينة قال الراهب نعم يبنيها مقلاص قال أبو جعفر أنا كنت أدعى مقلاصا في حداثتي قال فأنت إذا صاحبها قال وكذلك لما أراد أن يبني الرافقة بأرض الروم امتنع أهل الرقة وأرادوا محاربته وقالوا تعطل علينا أسواقنا وتذهب بمعاشنا وتضيق منازلنا فهم بمحاربتهم وبعث إلى راهب في الصومعة فقال هل عندك علم أن يبنى هاهنا مدينة فقال له بلغني أن رجلا يقال له مقلاص يبنيها قال أنا مقلاص فبناها على بناء مدينة بغداد سوى السور وأبواب الحديد وخندق منفرد
وذكر عن السري عن سليمان بن مجالد أن المنصور وجه في حشر الصناع والفعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة فأحضروا وأمر باختيار قوم من ذوي الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطأة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأمر بخط المدينة وحفر الأساسات وضرب اللبن وطبخ الآجر فبدئ بذلك وكان أول ما ابتدئ به في عملها سنة خمس وأربعين ومائة
وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحب أن ينظر إليها عيانا فأمر أن يخط بالرماد ثم أقبل يدخل من كل باب ويمر في فصلانها وطاقاتها ورحابها وهي مخطوطة بالرماد ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خط من خنادقها فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حب القطن وينصب عليه النفط فنظر إليها والنار تشتعل ففهمها وعرف رسمها وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم ثم ابتدئ في عملها
وذكر عن حماد التركي أن المنصور بعث رجالا يطلبون له موضعا يبني فيه المدينة فطلبوا ذلك في سنة أربع وأربعين ومائة قبل خروج محمد بن عبد الله بسنة أو نحوها فوقع اختيارهم على موضع بغداد قرية على شاطئ الصراة مما يلي الخلد وكان في موضع بناء الخلد دير وكان في قرن الصراة مما يلي الخلد من الجانب الشرقي أيضا قرية ودير كبير كانت تسمى سوق البقر وكانت القرية تسمى العتيقة وهي التي افتتحها المثنى بن حارثة الشيباني قال وجاء المنصور فنزل الدير الذي في موضع الخلد على الصراة فوجده قليل البق فقال هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة ويصلح أن تبتني فيه مدينة فقال للراهب الذي في الدير يا راهب أريد أن أبني هاهنا مدينة فقال لا يكون إنما يبنى هاهنا ملك يقال له أبو الدوانيق فضحك المنصور في نفسه وقال أنا أبو الدوانيق وأمر فخطت المدينة ووكل بها أربعة قواد كل قائد بربع
وذكر عن سليمان بن مجالد أن المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء فامتنع من ذلك فحلف المنصور أن يتولى له وحلف أبو حنيفة ألا يفعل فولاه القيام ببناء المدينة وضرب اللبن وعده وأخذ الرجال بالعمل قال وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه قال وكان أبو حنيفة المتولي لذلك حتى فرغ