فهرس الكتاب
بعد غد
وهذه القصة فيما قيل منسوبة إلى آل عيسى أنهم يقولونها
وأما الذي يحكي عن غيرهم في ذلك فهو أن المنصور أراد البيعة للمهدي فكلم الجند في ذلك فكانوا إذا رأوا عيسى راكبا أسمعوه ما كره فشكا ذلك إلى المنصور فقال للجند لا تؤذوا ابن أخي فإنه جلدة بين عيني ولو كنت تقدمت إليكم لضربت أعناقكم فكانوا يكفون ثم يعودون فمكث بذلك زمانا ثم كتب إلى عيسى
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى بن موسى سلام عليم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو فالحمد لله ذي المن القديم والفضل العظيم والبلاء الحسن الجميل الذي ابتدأ الخلق بعلمه وأنفذ القضاء بأمره فلا يبلغ مخلوق كنه حقه ولا ينال في عظمته كنه ذكره يدبر ما أراد من الأمور بقدرته ويصدرها عن مشيئته لا قاضي فيها غيره ولا نفاذ لها إلا به يجريها على أذلالها لا يستأمر فيها وزيرا ولا يشاور فيها معينا ولا يلتبس عليه شيء أراده يمضي قضاؤه فيما أحب العباد وكرهوا لا يستطيعون منه امتناعا ولا عن أنفسهم دفاعا رب الأرض ومن عليها له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
ثم إنك قد علمت الحال التي كنا عليها في ولاية الظلمة كيف كانت قوتنا وحيلتنا لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه واجتمع رأيهم عليه نسام الخسف ونوطأ بالعسف لا ندفع ظلما ولا نمنع ضيما ولا نعطي حقا ولا ننكر منكرا ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعا حتى إذا بلغ الكتاب أجله وانتهى الأمر إلى مدته وأذن الله في هلاك عدوه وارتاح بالرحمة لأهل بيت نبيه صلى الله عليه و سلم فابتعث الله لهم أنصارا يطلبون بثأرهم ويجاهدون عدوهم ويدعون إلى حبهم وينصرون دولتهم من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة وأهواء مؤتلفة فجمعهم الله على طاعتنا وألف بين قلوبهم بمودتنا على نصرتنا وأعزهم بنصرنا لم نلق منهم رجلا ولم نشهر معهم إلا ما قذف الله في قلوبهم حتى ابتعثهم لنا من بلادهم ببصائر نافذة وطاعة خالصة يلقون الظفر ويعودون بالنصر وينصرون بالرعب لا يلقون أحدا إلا هزموه ولا واترا إلا قتلوه حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا وإهلاك عدونا كرامة من الله جل وعز لنا وفضلا منه عليتا بغير حول منا ولا قوة ثم لم نزل من ذلك في نعمة الله وفضله علينا حتى نشأ هذا الغلام فقذف الله له في قلوب أنصار الدين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أول أمرنا وأشرب قلوبهم مودته وقسم في صدورهم محبته فصاروا لا يذكرون إلا فضله ولا ينوهون إلا باسمه ولا يعرفون إلا حقه فلما رأى أمير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته وأجرى على ألسنتهم من ذكره ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه ودعاء العامة إلى طاعته أيقنت نفس أمير المؤمنين أن ذلك أمر تولاه الله وصنعه لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة ولا مؤامرة ولا مذاكرة للذي رأى أمير المؤمنين من اجتماع الكلمة وتتابع العامة حتى ظن أمير المؤمنين أنه لولا معرفة المهدي بحق الأبوة لأفضت الأمور إليه وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامة ولا يجد مناصا عن خلاص ما دعوا إليه وكان أشد الناس على أمير المؤمنين في ذلك الأقرب فالأقرب من خاصته وثقاته من حرسه وشرطه فلم يجد