فهرس الكتاب
الله وقد حق على من عرف ذلك ووصفه العمل به والانتهاء إليه واعلم أنا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعا ولا دفعنا عنها ضرا ولا نلنا الذي عرفته بحولنا ولا قوتنا ولو وكلنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعفت قوتنا وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا ولكن الله إذا أراد عزما لإنفاذ أمره وإنجاز وعده وإتمام عهده وتأكيده عقده أحكم إبرامه وأبرم إحكامه ونور إعلانه وثبت أركانه حين أسس بنيانه فلا يستطيع العباد تأخير ما عجل ولا تعجيل ما أخر غير أن الشيطان عدو مضل مبين قد حذر الله طاعته وبين عداوته ينزع بين ولاة الحق وأهل طاعته ليفرق جمعهم ويشتت شملهم ويوقع العداوة والبغضاء بينهم ويتبرأ منهم عند حقائق الأمور ومضايق البلايا وقد قال الله عز و جل في كتابه وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ووصف الذين اتقوا فقال إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته خلاف ما زين الله به جل وعز من كان قبله فإنه قد سألتهم ابناؤهم ونازعتهم أهواؤهم إلى مثل الذي هم به أمير المؤمنين فآثروا الحق على ما سواه وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه ولا مانع لعطائه ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النعم وتعجيل النقم فآثرا الآجلة وقبلوا العاقبة وكرهوا التغيير وخافوا التبديل فأظهروا الجميل فتمم الله لهم أمورهم وكفاهم ما أهمهم ومنع سلطانهم وأعز أنصارهم وكرم أعوانهم وشرف بنيانهم فتممت النعم وتظاهرت المنن فاستوجبوا الشكر فتمم أمر الله وهم كارهون والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله
فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابه أمسك عنه وغضب غضبا شديدا وعاد الجند لأشد ما كانوا يصنعون منهم أسد بن المرزبان وعقبة بن سلم ونصر بن حرب بن عبد الله في جماعة فكانوا يأتون باب عيسى فيمنعون من يدخل إليه فإذا ركب مشوا خلفه وقالوا أنت البقرة التي قال الله فذبحوها وما كادوا يفعلون فعاد فشكاهم فقال له المنصور يابن أخي أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي قد أشربوا حب هذا الفتى فلو قدمته بين يديك فيكون بيني وبينك لكفوا فأجاب عيسى إلى أن يفعل
وذكر عن إسحاق الموصلي عن الربيع أن المنصور لما رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه الذي ذكرنا وقع في كتابه اسل عنها تنل منها عوضا في الدنيا وتأمن تبعتها في الآخرة
وقد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قول غير هذين القولين وذلك ما ذكره أبو محمد المعروف بالأسواري بن عيسى الكاتب قال أراد أبو جعفر أن يخلع عيسى بن موسى من ولاية العهد ويقدم المهدي عليه فأبى أن يجيبه إلى ذلك وأعيا الأمر أبا جعفر فيه فبعث إلى خالد بن برمك فقال له كلمه يا خالد فقد ترى امتناعه من البيعة للمهدي وما قد تقدمنا به في أمره فهل عندك حيلة فيه فقد أعيتنا وجوه الحيل وضل عنا الرأي فقال نعم يا أمير المؤمنين تضم إلى الثلاثين رجلا من كبار الشيعة ممن تختاره قال فركب خالد بن برمك وركبوا معه فساروا إلى عيسى بن موسى فأبلغوه رسالة أبي جعفر المنصور فقال ما كنت لأخلع نفسي وقد جعل الله عز و جل الأمر لي فأداره خالد بكل وجه من وجوه الحذر والطمع فأبى عليه