يقطع أطماع العمال في مثله فأمسك عمن ولاك أمير المؤمنين أمره من عربي وأعجمي وأحمر وأسود ولا تستبدن على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قبله تباعة فإنه لا يرى أن يأخذ أحدا بظنة قد وضعها الله عنه بالتوبة ولا بحدث كان منه في حرب أعقبه الله منها سلما ستر به عن ذي غلة وحجر به عن محنة ما في الصدور وليس يبأس أمير المؤمنين لأحد ولا لنفسه من الله من إقبال مدير كما أنه لا يأمن إدبار مقبل إن شاء الله والسلام
وذكر عن عباس بن الفضل قال حدثني يحيى بن سليم كاتب الفضل بن الربيع قال لم ير في دار المنصور لهو قط ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث إلا يوما واحدا فإنا رأينا ابنا له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني جعفر من الطليحية توفي وهو حدث قد خرج على الناس متنكبا قوسا متعمما بعمامة مترديا ببرد في هيئته غلام أعرابي راكبا على قعود بين جوالقين فيهما مقل ونهال ومساويك وما يهديه الأعراب فعجب الناس من ذلك وأنكروه قال فمضى الغلام حتى عبر الجسر وأتى المهدي بالرصافة فأهدى إليه ذلك فقبل المهدي ما في الجواليق وملأهما دراهم فانصرف بين الجوالقين فعلم أنه ضرب من عبث الملوك
وذكر عن حماد التركي قال كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة في الدار فقال ما هذا يا حماد انظر فذهبت فإذا خادم له قد جلس بين الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فجئت فأخبرته فقال وأي شيء الطنبور فقلت خشبة من حالها وأمرها ووصفتها له فقال لي أصبت صفته فما يدريك أنت ما الطنبور قلت رأيته بخراسان قال نعم هناك ثم قال هات نعلي فأتيته بها فقام يمشي رويدا حتى أشرف عليهم فرآهم فلما بصروا به تفرقوا فقال خذوه فأخذ فقال اضرب به رأسه فلم أزل أضرب به رأسه حتى كسرته ثم قال أخرجه من قصري واذهب به إلى حمران بالكرخ وقل له يبيعه
وذكر العباس بن الفضل عن سلام الأبرش قال كنت وأنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصور داخلا في منزله وكانت له حجرة فيها بيت وفسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان فإذا لبس ثيابه تغير لونه وتربد وجهه واحمرت عيناه فيخرج فيكون منه ما يكون فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك فنستقبله في ممشاه فربما عاتبناه
وقال لي يوما يا بني إذا رأيتني قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي فلا يدنون مني أحد منكم مخافة أن أعره بشيء
وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم قال حدثني عبد الله بن محمد يلقب بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد قال حدثني معن بن زائدة قال كنا في الصحابة سبعمائة رجل فكنا ندخل على المنصور في كل يوم قال فقلت للربيع اجعلني في آخر من يدخل فقال لي لست بأشرفهم فتكون في أولهم ولا بأخسهم فتكون في آخرهم وإن مرتبتك لتشبه نسبك قال فدخلت على المنصور ذات يوم وعلي دراعة فضفاضة وسيف حنفي أقرع بنعله الأرض وعمامة قد سدلتها من خلفي وقدامي
قال فسلمت عليه وخرجت فلما صرت عند الستر صاح بي يا معن صيحة أنكرتها فقلت لبيك يا أمير