الأرض سري الهيئة فلما رآه أمرني فدعوته فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية قومه وعن ولاة الصدقة فأحسن الجواب فأعجبه ما رأى منه فقال أنشدني فأنشده شعرا لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم وحدثه حتى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبري وهو قوله ... إن قناتي لنبع لا يؤيسها ... غمز الثقاف ولا دهن ولا نار ... متى أجر خائفا تأمن مسارحه ... وإن أخف آمنا تقلق به الدار ... إن الأمور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار ...
فقال ويحك وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر قال كان أثقل العرب على عدوه وطأة وأدركهم بثأر وأيمنهم نقيبة وأعساهم قناة لمن رام هضمه وأقراهم لضيفه وأحوطهم من وراء جاره اجتمعت العرب بعكاظ فكلهم أقر به بهذه الخلال غير أن امرأ أراد أن يقصر به فقال والله ما أنت ببعيد النجعة ولا قاصد الرمية فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألا يأكل إلا لحم قنص يقتنصه ولا ينزع كل عام عن غزوة يبعد فيها أثره قال يا أخا بني تميم لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك ولكني أحق ببيتيه منه أنا الذي وصف لا هو
وذكر أحمد بن خالد الفقيمي أن عدة من بني هاشم حدثوه أن المنصور كان شغله في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزل وشحن الثغور والأطراف وأمن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعية لطرح عالتهم والتلطف لسكونهم وهدوئهم فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته إلا من أحب أن يسامره فإذا صلى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والأطراف والآفاق وشاور سماره من ذلك فيما أرب فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره فإذا مضى الثلث الثاني قام من فراشه فأسبغ وضوءه وصف في محرابه حتى طلع الفجر ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيجلس في في أيوانه
قال إسحاق حدثت عن عبد الله بن الربيع قال قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله صف لي الناس فقال أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب وأهل العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين وأهل الشأم حصن الأمة وأسنة الأئمة وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجال والترك منابت الصخور وأبناء المغازي وأهل الهند حكماء استغنوا ببلادهم فاكفتوا بها عما يليهم والروم أهل كتاب وتدين نحاهم الله من القرب إلى البعد والأنباط كان ملكهم قديما فهم لكل قوم عبيد قال فأي الولاة أفضل قال الباذل للعطاء والمعرض عن السيئة قال فأيهم أخرق قال أنهكهم للرعية وأتبعهم لها بالخرق والعقوبة قال فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة قال يا امير المؤمنين الطاعة عند الخوف تسر الغدر وتبالغ عند المعاينة والطاعة على المحبة تضمر الاجتهاد وتبالغ عند الغفلة قال فأي الناس أولاهم بالطاعة قال أولاهم بالمضرة والمنفعة قال ما علامة ذلك قال سرعة الإجابة وبذل النفس قال فمن ينبغي للملك أن يتخذه وزيرا قال أسلمهم قلبا وأبعدهم من الهوى
وذكر عن أبي عبيد الله الكاتب قال سمعت المنصور يقول للمهدي حين عهد له بولاية العهد يا أبا عبد الله استدم النعمة بالشكر والقدرة بالعفو والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع ولا تنس مع نصيبك من الدنيا نصيبك من رحمة الله