وذكر واضح مولى المنصور قال إني لواقف على رأس أبي جعفر يوما إذ دخل عليه المهدي وعليه قباء أسود جديد فسلم وجلس ثم قام منصرفا وأتبعه أبو جعفر بصره لحبه له وإعجابه به فلما توسط الرواق عثر بسيفه فتخرق سواده فقام ومضى لوجهه غير مكترث لذلك ولا حافل به فقال أبو جعفر ردوا أبا عبد الله فرددناه إليه فقال يا أبا عبد الله استقلالا للمواهب أم بطرا للنعمة أم قلة علم بموضع المصيبة كأنك جاهلك بمالك وعليك وهذا الذي أنت فيه عطاء من الله إن شكرته عليه زادك فإن عرفت موضع البلاء منه فيه عافاك فقال المهدي لا أعدمنا الله بقاءك يا أمير المؤمنين وإرشادك والحمد لله على نعمه وأسأل الله الشكر على مواهبه والخلف الجميل برحمته ثم انصرف
قال العباس بن الوليد بن مزيد قال سمعت ناعم بن مزيد يذكر عن الوضين بن عطاء قال استزارني أبو جعفر وكانت بيني وبينه خلالة قبل الخلافة فصرت إلى مدينة السلام فخلونا يوما فقال لي يا أبا عبد الله مالك قلت الخبر الذي يعرفه أمير المؤمنين قال وما عيالك قلت ثلاث بنات والمرأة وخادم لهن قال فقال لي أربع في بيتك قلت نعم قال فوالله لردد علي حتى ظننت أنه سيمولني قال ثم رفع رأسه إلي فقال أنت أيسر العرب أربعة مغازل يدرن في بيتك
وذكر بشر المنجم قال دعاني أبو جعفر يوما عند العرب فبعثني في بعض الأمر فلما رجعت رفع ناحية مصلاه فإذا دينار فقال لي خذ هذا واحتفظ به قال فهو عندي إلى الساعة
وذكر أبو الجهم بن عطية قال حدثني أبو مقاتل الخراساني ورفع غلام له إلى أبي جعفر أن له عشرة آلاف درهم فأخذها منه وقال هذا مالي قال ومن أن يكون مالك فوالله ما وليت لك عملا قط ولا بيني وبينك رحم ولا قرابة قال بلى كنت تزوجت مولاة لعيينة بن موسى بن كعب فورثتك مالا وكان ذلك قد عصي وأخذ مالي وهو وال على السند فهذا المال من ذلك المال
وذكر مصعب بن سلام عن أبي حارثة النهدي صاحب بيت المال قال ولى أبو جعفر رجلا باروسما فلما انصرف أراد أن يتعلل عليه لئلا يعطيه شيئا فقال له أشركتك في أمانتي ووليتك فيئا من فيء المسلمين فخنته فقال أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ما صحبني من ذلك شيء إلا درهم منه مثقال صررته في كمي إذا خرجت من عندك اكتريت به بغلا إلى عيالي فأدخل بيتي ليس معي شيء من مال الله ولا مالك فقال ما أظنك إلا صادقا هلم درهمنا فأخذه منه فوضعه تحت لبده فقال ما مثلي ومثلك إلا مثل مجير أم عامر قال وما مجير أم عامر فذكر قصة الضبع ومجيرها قال وإنما غالظه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئا
وذكر عن هشام بن محمد أن قثم بن العباس دخل على أبي جعفر فكلمه في حاجة فقال له أبو جعفر دعني من حاجتك هذه أخبرني لم سميت قثم قال ولاالله يا أمير المؤمنين ما أدري قال القثم الذي يأكل ويزل أما سمعت قول الشاعر ... وللكبراء أكل كيف شاؤوا ... وللصغراء أكل واقتثام ...
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم فقال جعفر يا أمير المؤمنين تفضله علي وأنا أسن منه قال وأنت مثله إنا لا نلفت إلى ناحية إلا وجدنا من أثر محمد فيها شيئا وفي منزلنا من هداياه بقية وأنت لم تفعل من هذا شيئا