فهرس الكتاب
فمن ذلك ما كان من شخوص هارون الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الري
ذكر أن الرشيد كان استشار يحيى بن خالد في تولية خراسان علي بن عيسى بن ماهان فاشار عليه ألا يفعل فخالفه الرشيد في أمره وولاه إياها فلما شخص علي بن عيسى إليها ظلم الناس وعسر عليهم وجمع مالا جليلا ووجه إلى هارون منها هدايا لم ير مثلها قط من الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصل ما بعث به علي إليه وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه فعظمت في عينه وجل عنده قدرها وإلى جانبه يحيى بن خالد فقال له يا أبا علي هذا الذي أشرت علينا ألا نوليه هذا الثغر فقد خالفناك فيه فكان في خلافك البركة وهو كالمازح معه إذ ذاك فقد ترى ما أنتج رأينا فيه وما كان من رأيك فقال يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أنا وإن كنت أحب أن أصيب في رأيي وأوفق في مشورتي فأنا أحب من ذلك أن يكون رأي أمير المؤمنين أعلى وفراسته أثقب وعلمه أكثر من علمي ومعرفته فوق معرفتي وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين وما أسأل الله أن يعيذه ويعفيه من سوء عاقبته ونتائج مكروهه قال وما ذاك فأعلمه قال ذاك أني أحسب أن هذه الهدايا ما اجتمعت له حتى ظلم فيها الاشراف أخذ أكثرها ظلما وتعديا ولو أمرني أمير المؤمنين لأتيته بضعفها الساعة من بعض تجار الكرخ قال وكيف ذاك قال قد ساومنا عونا على السفط الذي جاءنا به من الجوهر وأعطيناه به سبعة آلاف ألف فأبى أبى أن يبيعه فأبعث إليه الساعة بحاجتي فآمره أن يرده إلينا لنعيد فيه نظرنا فإذا جاء به جحدناه وربحنا سبعة آلاف ألف ثم كنا نفعل بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك وعلى أن هذا أسلم عاقبة وأستر أمرا من فعل علي بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها فأجمع لأمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون سعي وأيسر أمر وأجمل جباية مما جمع علي في ثلاث سنين
فوقرت في نفس الرشيد وحفظها وأمسك عن ذكر علي بن عيسى عنده فلما عاث علي بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها وأخذ أموالهم واستخف برجالهم كتب رجال من كبرائها ووجوهها إلى الرشيد وكتبت جماعة من كورها إلى قراباتها وأصحابها تشكو سوء سيرته وخبث طعمته ورداءه مذهبه وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها به من أحب من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقواده فدعا يحيى بن خالد فشاوره في أمر علي بن عيسى وفي صرفه وقال له أشر علي برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق ويرتق ما فتق