ذكر داود بن سليمان أن طاهرا لما قوي واستعلى أمره وهزم من قواد محمد وجيوشه دخل عبد الملك بن صالح على محمد وكان عبد الملك محبوسا في حبس الرشيد فلما توفي الرشيد وأفضى الأمر إلى محمد أمر بتخلية سبيله وذلك في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين ومائة فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته فقال يا أمير المؤمنين إني أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك وقد بذلت سماحتك فإن اتممت على امرك افسدتهم وابطرتهم وان كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم وليس تملك الجنود بالإمساك ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم ونهكتهم واضعفتهم الحرب والوقائع وامتلأت هيبة لعدوهم ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم وأهل الشأم قوم قد ضرستهم الحروب وأدبتهم الشدائد وجلهم منقاد الى مسارع طاعتى فإن وجهنى امير المؤمنين اتخذت له منهم جندا تعظم نكايتهم في عدوه ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته فقال محمد فإني موليك أمرهم ومقويك بما سألت من مال وعدة فعجل الشخوص إلى ما هنالك فاعمل عملا يظهر أثره ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله فولاه الشأم والجزيرة واستحثه بالخروج استحثاثا شديدا ووجه معه كنفا من الجند والأبناء
وفي هذه السنة سار عبد الملك بن صالح إلى الشأم فلما بلغ الرقة أقام بها وأنفذ رسله وكتبه إلى رؤساء أجناد أهل الشأم بجمع الرجال بها وإمداد محمد بهم لحرب طاهر
ذكر الخبر عن ذلك
قد تقدم ذكرى سبب توجيه محمد إياه لذلك فذكر داود بن سليمان أنه لما قدم عبد الملك الرقة انفذ رسله وكتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه إلا وعده وبسط له في أمله وأمنيته فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس وجماعة بعد جماعة فكان لا يدخل عليه أحد إلا إجازه وخلع عليه وحمله فأتاه أهل الشأم الزواقيل والأعراب من كل فج واجتمعوا عنده حتى كثروا ثم إن بعض جند أهل خراسان نظر إلى دابة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل فتعلق بها فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا واجتمعت جماعة من الزواقيل والجند فتلاحموا واعان كل فريق منهم صاحبه وتلاطموا وتضاربوا بالأيدى ومشى بعض الأبناء الى بعض فاجتمعوا الى محمد بن ابي خالد فقالوا انت شيخنا وفارسنا وقد ركب الزواقيل منا ما قد بلغك فاجمع أمرنا وإلا استذلونا وطمعوا فينا وركبوا بمثل هذا في كل يوم فقال ما كنت لأدخل في شغب ولا أشاهدكم على مثل الحالة فاستعد الأبناء وتهيؤوا وأتوا الزواقيل وهو غارون فوضعوا فيهم السيوف فقتلوا منهم مقتله عظيمة وذبحوهم في رحالهم وتنادى الزواقيل فركبوا خيولهم ولبسوا أسلحتهم ونشبت الحرب بينهم وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح فوجه إليهم رسولا يأمرهم بالكف ووضع السلاح فرموه بالحجارة واقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل فأخبر عبد الملك بكثرة من قتل وكان مريضا مدنفا فضرب بيده على يد ثم قال واذلاه تستضام العرب في دارها ومحلها وبلادها فغضب من كان أمسك عن الشر من الأبناء وتفاقم الأمر فيما بينهم وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وأصبح الزواقيل فاجتمعوا بالرقة واجتمع الأبناء وأهل خراسان بالرافقة وقام رجل من أهل حمص