فهرس الكتاب
ذكر أن الأمين لما أفضت الخلافة إليه بعث إلى مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وعزل عامل الرشيد على مكة وكان عامله عليها محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي وكان إليه الصلاة بها وأحداثها والقضاء بين أهلها فعزل محمد على ذلك كله بداود بن عيسى سوى القضاء فإنه أقره على القضاء فأقام داود واليا على مكة والمدينة لمحمد وأقام للناس أيضا الحج سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة فلما دخلت سنة ست وتسعين ومائة بلغه خلع عبد الله المأمون اخاه وما كان فعل طاهر بقواد محمد وقد كان محمد كتب الى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى وبعث محمد إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة فأخذهما فلما فعل ذلك جمع داود حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود وكان داود أحدهم فقال داود قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لأبنيه لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم ومع المبغي عليه على الباغي ومع المغدور به على الغادر فقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغي والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن وخلعهما وبايع لابنه الطفل رضيع صغير لم يفطم واستخرج الشرطين من الكعبة عاصيا ظالما فحرقهما بالنار وقد رأيت خلعه وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة إذ كان مظلوما مبغيا عليه فقال له أهل مكة رأينا تبع لرأيك ونحن خالعوه معك فوعدهم صلاة الظهيرة وأرسل في فجاج مكة صائحا يصيح الصلاة جامعة فلما جاء وقت صلاة الظهر وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة خرج داود بن عيسى فصلى بالناس صلاة الظهر وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام فصعد فجلس عليه وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر وكان داود خطيبا فصيحا جهير الصوت فلما اجتمع الناس قام خطيبا فقال
الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالدين وختم به النبيين وجعله رحمة للعالمين صلى الله عليه في الأولين والآخرين أما بعد يا أهل مكة فأنتم الأصل والفرع والعشيرة والأسرة والشركاء في النعمة إلى بلدكم نفذ وفد الله وإلى قبلتكم يأتم المسلمون وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون رحمة الله عليه وصلاته حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على الظالم والمبغي على الباغي والمغدور به على الغادر ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغي عليه المغدور به ألا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتي هذه من رأسي وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها ثم قال قد بايعت لعبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم
فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر رجل فرجل فبايعه لعبد الله المأمون بالخلافة وخلع محمدا ثم نزل عن المنبر وحانت صلاة العصر فصلى بالناس ثم جلس في ناحية المسجد وجعل الناس يبايعونه جماعة بعد جماعة يقرأ عليهم كتاب البيعة ويصافحونه على كفه ففعل ذلك أياما