فهرس الكتاب
يومئذ في سكة المربد فلقيني منهزمو أهل البصرة في السكة راجعين نحو المسجد الجامع وفي أخراهم القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي وهو على بغل متقلد سيفا يصيح بالناس ويحكم أتسلمون بلدكم وحرمكم هذا عدوكم قد دخل البلد فلم يلووا عليه ولم يسمعوا منه فمضى وانكشفت سكة المربد فصار بين المنهزمين والزنج فيها فضاء يسافر فيه البصر
قال محمد فلما رأيت ذلك دخلت منزلي وأغلقت بابي وأشرفت فإذا خيل من الأعراب ورجالة الزنج تقدمهم رجل على حصان كميت بيده رمح عليه عذبة صفراء فسألت بعد أن صير بي إلى مدينة الخائن عن ذلك الرجل فادعى علي بن أبان أنه ذلك الرجل وأن الراية الصفراء رايته ودخل القوم فغابوا في سكة المربد إلى أن بلغوا باب عثمان وذلك بعد الزوال ثم انصرفوا فظن الناس من رعاع أهل البصرة وجهالهم أن القوم قد مضوا لصلاة الجمعة وكان الذي صرفهم أنهم خشوا أن يخرج عليهم جمع السعدية والبلالية من المربعة وخافوا الكمناء هناك فانصرفوا وانصرف من كان بناحية زهران وبني حصن وذلك بعد أن أحرقوا وأنهبوا واقتدروا على البلد وعلموا أنه لا مانع لهم منه فأغبوا السبت والأحد ثم غادروا البصرة يوم الاثنين فلم يجدوا عنها مدافعا وجمع الناس إلى باب إبراهيم بن يحيى المهلبي وأعطوا الأمان
قال محمد بن سمعان فحدثني الحسن بن عثمان المهلبي الملقب بمندلقة وكان من أصحاب يحيى بن محمد قال أمرني يحيى في تلك الغداة بالمصير إلى مقبره بني يشكر وحمل ما كان هناك من التنانير فصرت إليها فحملت نيفا وعشرين تنورا على رؤوس الرجال حتى أتيت بها دار إبراهيم بن يحيى والناس يظنون أنها تعد لاتخاذ طعام لهم وهم من الجوع وشدة الحصار والجهد على أمر عظيم وكثر الجمع بباب إبراهيم بن يحيى وجعلوا ينوبون ويزدادون حتى أصبحوا وارتفعت الشمس
قال ابن سمعان وأنا يومئذ قد انتقلت من سكة المربد من منزلي إلى دار جد أمي هشام المعروف بالداف وكانت في بني تميم وذلك للذي استفاض في الناس من دخول بني تميم في سلم الخائن فإني لهناك إذ أتى المخبرون بخبر الوقعة بحضرة دار إبراهيم بن يحيى فذكروا أن يحيى بن محمد البحراني أمر الزنج فأحاطوا بذلك الجمع ثم قال من كان من آل المهلب فليدخل دار إبراهيم بن يحيى فدخلت جماعة قليلة وأغلقوا الباب دونهم ثم قيل للزنج دونكم الناس فاقتلوهم ولا تبقوا منهم أحدا فخرج إليهم محمد بن عبد الله المعروف بأبي الليث الأصبهاني فقال للزنج كيلوا وهي العلامة التي كانوا يعرفونها فيمن يؤمرون بقتله فأخذ الناس السيف
قال الحسن بن عثمان فإني لأسمع تشهدهم وضجيجهم وهم يقتلون ولقد ارتفعت أصواتهم بالتشهد حتى لقد سمعت بالطفاوة وهم على بعد من الموضع الذي كانوا به قال ولما أتي على الجمع الذي ذكرنا أقبل الزنج على قتل من أصابوا ودخل علي بن أبان يومئذ فأحرق المسجد الجامع وراح إلى الكلاء فأحرقه من الجبل إلى الجسر والنار في كل ذلك تأخذ في كل شيء مرت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومتاع ثم ألحوا بالغدو والرواح على من وجدوا يسوقونهم إلى يحيى بن محمد وهو يومئذ نازل بسيحان فمن كان ذا مال قرره حتى يستخرج ماله ويقتله ومن كان مملقا قتله