فهرس الكتاب
وبعثت الطلائع وارتدت موضعا تعسكر فيه وتتخذ خندقا لأصحابك يأمنون به كان ذلك أبلغ في الرأي وآنس للجند قال لا ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ إن حال طاهر تؤول إلى أحد أمرين إما أن يتحصن بالري فيبيته أهلها فيكفوننا مؤنته أو يخليها ويدبر راجعا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه واتاه يحيى بن علي فقال اجمع متفرق العسكر واحذر على جندك البيات ولا تسرح الخيل إلا ومعها كنف من القوم فإن العساكر لا تساس بالتواني والحروب لا تدبر بالاغترار والثقة أن تحترز ولا تقل إن المحارب لي طاهر فالشرارة الخفية ربما صارت ضراما والثملة من السيل ربما اغتر بها وتهون فصارت بحرا عظيما وقد قربت عساكرنا من طاهر فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا قال اسكت فإن طاهرا ليس في هذا الموضع الذي ترى وإنما تتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها وتستعد إذا كان المناوئ لها أكفاءها ونظراءها
وذكر عبد الله بن مجالد قال أقبل علي بن عيسى حتى نزل من الري على عشرة فراسخ وبها طاهر قد سد أبوابها ووضع المسالح على طرقها واستعد لمحاربته فشاور طاهر أصحابه فأشاروا عليه أن يقيم بمدينة الري ويدافع القتال ما قدر عليه إلى أن يأتيه من خراسان المدد من الخيل وقائد يتولى الأمر دونه وقالوا إن مقامك بمدينة الري أرفق بأصحابك وأقدر لهم على الميرة وأكن من البرد وأحرق إن دهمك قتال أن يعتصموا بالبيوت وتقوى على المماطلة والمطاولة إلى أن يأتيك مدد أو ترد عليك قوة من خلفك فقال طاهر إن الرأي ليس ما رأيتم إن أهل الري لعلي هائبون ومن معرته وسطوته متقون ومعه من قد بلغكم من أعراب البوادي وصعاليك الجبال ولفيف القرى ولست آمن إن هجم علينا مدينة الري أن يدعو أهلها خوفهم إلى الوثوب بنا ويعينوه على قتالنا مع انه لم يكن قوم قط روعبوا في ديارهم وتورد عليهم عسكرهم إلا وهنوا وذلوا وذهب عزهم واجترأ عليهم عدوهم وما الرأي إلا أن نصير مدينة الري قفا ظهورنا فإن أعطانا الله الظفر وإلا عولنا عليها فقالتنا في سككها وتحصنا في منعتها إلى أن يأتينا مددا أو قوة من خراسان قالوا الرأي ما رأيت فنادى طاهر في أصحابه فخرجوا فعسكروا على خمسة فراسخ من الري بقرية يقال لها كلواص وأتاه محمد بن العلاء فقال أيها الأمير إن جندك قد هابوا هذا الجيش وامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا منه فلو أقمت بمكانك ودافعت القتال إلى أن يشامهم أصحابك ويأنسوا بهم ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم فقال لا إني لا أوتى من قلة تجربة وحزم إن أصحابي قليل والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم فإن دافعت القتال وأخرت المناجزة لم آمن أن يطلعوا على قلتنا وعورتنا وان يستميلوا من معي برغبة أو رهبة فينفر عني أكثر أصحابي ويخذلني أهل الحفاظ والصبر ولكن ألف الرجال بالرجال وألحم الخيل بالخيل وأعتمد على الطاعة والوفاء وأصبر صبر محتسب للخير حريص على الفوز بفضل الشهادة فإن يرزق الله الظفر والفلج فذلك الذي نريد ونرجو وإن تكن الأخرى فلست بأول من قاتل فقتل وما عند الله أجزل وأفضل
وقال علي لأصحابه بادروا القوم فإن عددهم قليل ولو زحفتم إليهم لم يكن لهم صبر على حرارة السيوف وطعن الرماح وعبأ جنده ميمنة وميسرة وقلبا وصير عشر رايات في كل راية ألف رجل وقدم الرايات راية راية فصير بين كل راية وراية غلوة وأمر أمراءها إذا قاتلت الأولى فصبرت وحمت وطال بها القتال أن تقدم التي تليها وتؤخر التي قاتلت حتى ترجع إليها انفسها وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة وصير أصحاب الدروع والجواشن والخوذ أمام الرايات ووقف في القلب في أصحابه من أهل البأس والحفاظ والنجدة منهم