فهرس الكتاب

الصفحة 3004 من 3305

ثم إن هؤلاء الناكثين جمعوا جميعا من الأتراك والمغاربة ومن ولج في سوادهم ودخل في غمارهم مؤاتيا للفتنة من ألفاف الغي ورأسوا عليهم المعروف بأبي احمد بن المتوكل ثم ساروا نحو مدينة السلام في الجانب الشرقي معلنين للبغي والاقتدار مظهرين للغي والإصرار فتأناهم أمير المؤمنين وفسح لهم في النظرة لهم وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرهم الرشد وتذكيرهم بما قدموا من البيعة وإفهامهم ما لله عليهم وله في ذلك من الحق وأن خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعا الخروج من دين الله البراءة منه ومن رسوله وتحريمهم أموالهم ونساءهم عليهم وأن في تمسكهم به سلامة أديانهم وبقاء نعمتهم والاحتراس من حلول النقم بهم وأن يبين لهم ما سلف من بلائه عندهم من أسنى المواهب وأرفع الرغائب والاختصاص بسني المراتب والتقدم في المحافل فأبوا إلا تماديا ونفارا وتمسكا بالغي وإصرارا

فقلد أمير المؤمنين نصيحة المؤتمن ووليه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم ودعائهم إلى الحق ما كانت الإنابة أو محاربتهم إن جنح بهم غيهم وتتابعوا في ضلالهم فلم يألهم نظرا وإفهاما وتبيينا وإرشادا وهم في ذلك رافعون أصواتهم بالتوعد لأهل مدينة السلام بسفك دمائهم وسبي نسائهم وتغنم أموالهم وقبل ذلك ما كانوا في مسيرهم على السبيل التي يستعملها أهل الشرك في غاراتهم ويميلون إليها عند إمكان النهزة لهم لا يجتازون بعامر إلا أخربوه ولا بحريم لمسلم ولا غيره إلا أباحوه ولا بمسلم يعجز عنهم إلا قتلوه ولا بمال لمسلم ولا ذمي إلا أخذوه حتى انتقل كثير ممن سبقت إليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم وفارقوا منازلهم ورباعهم وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصنا من معرتهم لا يمرون بغني إلا خلعوا عنه لباس الغنى ولا بمستور إلا هتكوا عن الذرية والنساء ستره لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا يتوقفون عن مسلم بهتك ولا مثلة ولا يرغبون عما حرم الله من دم ولا حرمة

ثم تلقوا التذكرة بالحرب وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب وعارضوا التبصير بالاستبصار في الباطل فذلفوا نحو باب الشماسية وقد رتب محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التي سبيلها سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش في العدة الكاملة والعدة المتظاهرة معاقلهم التوكل على ربهم وحصونهم الاعتصام بطاعته وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم

ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين يأمرهم بتحصين ما يليهم والإمساك عن الحرب ما كانت مندوحة لهم فبادأهم الأولياء بالموعظة وبدأهم الغواة الناكثون بحربهم وعادوهم أياما بجموعهم وعدادهم مدلين بعدتهم ومقدرين ألا غالب لهم ولا يعلمون بالله أن قدرته فوق قدرتهم وأن اقداره نافذة بخلاف إرادتهم وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحق عليهم حتى إذا كان يوم السبت للنصف من صفر وافوا باب الشماسية بأجمعهم قد نشروا أعلامهم وتنادوا بشعارهم وتحصنوا بأسلحتهم وبدا الأمر منهم لمن عاينهم ليس لهم وعيد دون سفك الدماء وسبي النساء واستباحة الأموال فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا وقابلوهم بالتذكرة فلم يصغوا إليها وبدؤوا بالحرب منابذين لها فتسرع الأولياء عند ذلك إليهم واستنصروا عليهم واستحكمت بالله ثقتهم ونفذت به بصائرهم فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم فقتل الله من حماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيرا عددها ونالت الجراحة المثخنة التي تأتي على من نالته أكثر عامتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت