فهرس الكتاب

الصفحة 3005 من 3305

فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أن قد أكذب ظنونهم وحال بينهم وبين أمانيهم وجعل عواقبها حسرات عليهم استنهضوا جيشا من سامرا من الأتراك والمغاربة في العتاد والعدة والجلد والأسلحة في الجانب الغربي طالبين المعرة ومؤملين أن ينالوا نيلا من أهله باشتغال إخوانهم في الجانب الشرقي بأعدائهم

وقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شحن الجانبين جميعا بالرجال والعدة ووكل بكل ناحية من يقوم بحفظها وحراستها ويكف عن الرعية بوائق أعدائهم ووكل بكل باب من الأبواب قائدا في جمع كثيف ورتب على السور من يراعيه في الليل والنهار وبث الرجال ليعرف أخبار أعداء الله في حركاتهم ونهوضهم ومقامهم وتصرفهم فيعامل كل حال لهم بحال يفت الله في أعضادهم بها

فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر وافى الجيش الذي أنهضوه من الجانب الغربي الباب المعروف بباب قطربل فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقي من دجلة في عدد لا يسعه إلا الفضاء ولا يحمله إلا المجال الفسيح وقد تواعدوا أن يكون دنوهم من الأبواب معا لشغل الأولياء بحربهم من الجهات فيضعفوا عنهم ويغلبوا حقهم بباطلهم أملا كاذبا كادهم الله فيه غير صادق وظنا خائبا لله فيه قضاء نافذ وأنهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبي عون وبندار بن موسى الطبري مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزة من باب قطربل وأمرهم بتقوى الله وطاعته والاتباع لأمره والتصرف مع كتابه والتوقف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الأسماع وتزول الحجة بالتتابع منهم والإصرار فنفذوا في جمع يقابل جمعهم مستبصرين في حق الله عليهم مسارعين إلى لقاء عدوهم محتسبين خطاهم ومسيرهم واثقين بالثواب الآجل والجزاء العاجل فتلقاهم ومن معهم أعداء الله قد أطلقوا نحوهم أعنتهم وأشرعوا لنحورهم أسنتهم لا يشكون أنهم نهزة المختلس وغنيمة المنتهي فنادوهم بالموعظة نداء مسمعا فمجتها اسماعهم وعميت عنها أبصارهم وصدقهم أولياء الله في لقائهم بقلوب مستجمعة لهم وعلم بأن الله لا يخلف وعده فيهم فجالت الخيل بهم جولة وعاودت كرة بعد كرة عليهم طعنا بالرماح وضربا بالسيوف ورشقا بالسهام فلما مسهم ألم جراحها وكلمتهم الحرب بأنيابها ودارت عليهم رحاها وصمم عليهم أبناؤها ظمأ إلى دمائهم ولوا أدبارهم ومنح الله أكتافهم وأوقع بأسه بهم فقتلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة ولم يتحصنوا من عقابه بأمانة ثم ثابت ثانية فوقفوا بإزاء الأولياء وعبر إليهم أشياعهم الغاوون من عسكرهم بباب الشماسية ألف رجل من أنجادهم في السفن معاونين لهم على ضلالتهم فأنهض لهم محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاه بن مكيال مولى طاهر نحوهم فنفذوا ببصيرة لا يتخونها فتور ونية لا يلحقها تقصير ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين

فلما وافى الشاه فيمن معه أعداء الله وكل بالمواضع التي يتخوف منها مدخل الكمناء ثم حمل من توجه معه من القواد المسمين ماضين لا يغويهم الوعيد ولا يشكون من الله في النصر والتأييد فوضعوا أسيافهم فيهم تمضي أحكام الله عليهم حتى ألحقوهم بالمعسكر الذي كانوا فيه وجاوزوه وسلبوهم كل ما كان من سلاح وكراع وعتاد الحرب فمن قتيل غودرت جثته بمصرعه ونقلت هامته إلى مصير فيه معتبر لغيره ومن لاجىء من السيف إلى الغرق لم يجره الله من حذاره ومن أسير مصفود يقاد إلى دار أولياء الله وحزبه ومن هارب بحشاشة نفسه قد أسكن الله الخوف قلبه فكانت النقم بحمد الله واقعة بالفريقين ممن وافى الجانب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت