فبايعوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب وسمي المعتمد على الله وأشهد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدي محمد بن الواثق وأنه سليم ليس به إلا الجراحتان اللتان نالتاه يوم الأحد في الوقعة إحداهما من سهم والأخرى من ضربة وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وعدة من إخوة أمير المؤمنين ودفن في مقبرة المنتصر ودخل موسى بن بغا ومفلح سامرا يوم السبت لعشر بقين من رجب فسلم على المعتمد فخلع عليه وصار إلى منزله وسكن الناس
وقال بعضهم وذكر أنه كان شاهدا أمرهم لما كان ليلة الاثنين لليلة خلت من رجب ثار أهل الكرخ والدور جميعا فاجتمعوا وكان المهتدي يوجه إليهم إذا تحركوا أخاه عبد الله فوجه إليهم في هذا اليوم عبد الله أخاه كما كان يوجهه فصار إليهم فوجدهم قد أقبلوا يريدون الجوسق فكلمهم وضمن لهم القيام بحوائجهم فأبوا وقالوا لا نرجع حتى نصير إلى أمير المؤمنين ونشكو إليه قصتنا فانصرف منهم عبد الله وفي الدار في هذا الوقت أبو نصر محمد بن بغا وحبشون وكيغلغ ومسرور البلخي وجماعة فلما أدى عبد الله إلى المهتدي ما دار بينه وبينهم أمره بالرجوع إليهم وأن يأتي بجماعة منهم فيوصلهم إليه فخرج فتلقاهم قريبا من الجوسق فأدارهم على أن يقفوا بمواضعهم ويوجهوا معه جماعة منهم فأبوا فلما تناهى إلى أبي نصر ومن كان معه في الدار بأن جمعهم قد أقبل خرجوا جميعا من الدار مما يلي باب النزالة فلم يبق في الدار إلا مسرور البلخي وألطون خليفة كيغلغ ومن الكتاب عيسى بن فرخانشاه ودخل الموالي مما يلي القصر الأحمر فملؤوا الدار زهاء أربعة آلاف فصاروا إلى المهتدي فشكوا إليه حالهم
وكان اعتمادهم في مسألتهم أن يعزل عنهم أمراءهم ويضم أمورهم إلى إخوة أمير المؤمنين وأن يؤخذ الأمراء والكتاب بالخروج مما اختانوه من أموال السلطان وذكروا أن قدره خمسون ومائة ألف ألف فوعدهم النظر في أمرهم وإجابتهم إلى ما سألوا فاقاموا يومهم ذلك في الدار فوجه المهتدي محمد بن مباشر الكرخي فاشترى لهم الأسوقة ومضى أبو نصر بن بغا من فوره ذلك حتى عسكر في الحير بالقرب من موضع الحلبة فلحق به زهاء خمسمائة رجل ثم تفرقوا عنه في ليلتهم فلم يبق إلا في أقل من مائة ومضى فصار إلى المحمدية وأصبح الموالي في غداة يوم الأربعاء يطالبون بما كانوا يطالبون به أولا فقيل لهم إن هذا الأمر الذي تريدونه أمر صعب وإخراج الأمر عن أيدي هؤلاء الأمراء ليس بسهل عليكم فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذهم بالأموال فانظروا في أموركم فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون على هذا الأمر حتى يبلغ منه غايته أجابكم إليه أمير المؤمنين وإن تكن الأخرى فإن أمير المؤمنين يحسن لكم النظر فأبوا إلا ما سألوه أولا فدعوا إلى إيمان البيعة على أن يقيموا على هذا القول ولا يرجعوا عنه وأن يقاتلوا من قاتلهم فيه وينصحوا لأمير المؤمنين ويوالوه فأجابوه إلى ذلك فأخذت عليهم أيمان البيعة فبايع في ذلك اليوم زهاء ألف رجل وعيسى بن فرخانشاه الذي تجري على يده الأمور ومقامه مقام الوزير ثم كتبوا إلى أبي نصر كتابا عن أنفسهم كتبه لهم عيسى بن فرخانشاه يذكرون فيه إنكارهم خروجه من الدار عن غير سبب وأنهم إنما قصدوا أمير المؤمنين ليشكوا إليه حاجتهم وأنهم لما وجدوا الدار فارغة اقاموا فيها وأنهم إذا عاد ردوه إلى حاله ولم يهيجوه وكتب عيسى عن الخليفة بمثل ذلك إليه فأقبل من المحمدية بين العصر والعشاء فدخل الدار ومعه أخوه حبشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم فقام الموالي في وجوههم معهم السلاح وقعد