فهرس الكتاب
للفسقة وعظم بذلك اهتمامهم وتأمل أبو أحمد فيما كان دبر من النزول في الجانب الغربي من دجلة أنه أكدى وما لا يؤمن من حيلة الفاسق وأصحابه في انتهاز فرصة فيوقع بالعسكر بياتا أو يجد مساغا إلى شيء مما يكون له فيه متنفس لكثرة الأدغال في ذلك الموضع وصعوبة المسالك وأن الزنج على التوغل إلى المواضع الوحشة أقدر وهو عليهم أسهل من أصحابه
فانصرف عن رأيه في نزول غربي دجلة وجعل قصده لهدم سور الفاسق وتوسعه الطرق والمسالك منها لأصحابه فأمر عند ذلك أن يبدأ بهدم السور مما يلي النهر المعروف بمنكى فكان تدبير الخبيث في ذلك توجيه ابنه المعروف بأنكلاي وعلي بن أبان وسليمان بن جامع للمنع من ذلك كل واحد منهم في نوبته في ذلك اليوم فإذا كثر عليهم أصحاب الموفق اجتمعوا جميعا لمدافعة من يأتيهم
فلما رأى الموفق تحاشد الخبثاء وتعاونهم على المنع من الهدم للسور أزمع على مباشرة ذلك وحضوره ليستدعي به جد أصحابه واجتهادهم ويزيد في عنايتهم ومجاهدتهم ففعل ذلك واتصلت الحرب وغلظت على الفريقين وكثر القتلى والجراح في الحزبين كليهما فأقام الموفق أياما يغادي الفسقة ويراوحهم فكانوا لا يفترون من الحرب في يوم من الأيام وكان أصحاب أبي أحمد لا يستطيعون الولوج على الخبثة لقنطرتين كانتا على نهر منكى كان الزنج يسلكونهما في وقت استعار الحرب فينتهون منهما إلى طريق يخرجهم في ظهور أصحاب أبي أحمد فينالون منهم ويحجزونهم عن استتمام ما يحاولون من هدم السور فرأى الموفق إعمال الحيلة في هدم القنطرتين ليمنع الفسقة عن الطريق الذي كانوا يصيرون منه إلى استدبار أصحابه في وقت احتدام الحرب فأمر قوادا من قواد غلمانه بقصد هاتين القنطرتين وأن يختلوا الزنج وينتهزوا الفرصة في غفلتهم عن حراستهما وتقدم إليهم في أن يعدوا لهما من الفؤوس والمناشير والآلات التي يحتاج إليها لقطعهما ما يكون عونا لهم على الإسراع فيما يقصدون له من ذلك
فانتهى الغلمان إلى ما أمروا به وصاروا إلى نهر منكى وقت نصف النهار فبرز لهم الزنج فبادروا وتسرعوا فكان ممن تسرع إليهم أبو النداء في جماعة من أصحابه يزيدون على الخمسمائة ونشبت الحرب بين أصحاب الموفق والزنج فاقتتلوا صدر النهار ثم ظهر غلمان أبي أحمد على الفسقة فكشفوهم عن القنطرتين فأصاب المعروف بأبي النداء سهم في صدره وصل إلى قلبه فصرعه وحامى أصحابه على جيفته فاحتملوها وولوا منهزمين وتمكن قواد غلمان الموفق من قطع القنطرتين فقطعوهما وأخرجوهما إلى دجلة وحملوا خشبهما إلى أبي أحمد وانصرفوا على حال سلامة وأخبروا الموفق بقتل أبي النداء وقطع القنطرتين فعظم سروره وسرور أهل العسكر بذلك وأمر لرامسى أبي النداء بصلة وافرة
وألح أبو أحمد على الخبيث وأشياعه بالحرب وهدم من السور ما أمكنهم به الولوج عليهم فشغلوهم بالحرب في مدينتهم عن المدافعة عن سورهم فأسرع الهدم فيه وانتهى منه إلى داري ابن سمعان وسليمان بن جامع فصار ذلك أجمع في أيدي أصحاب الموفق لا يستطيع الفسقة دفعهم عنه ولا منعهم من الوصول إليه وهدمت هاتان الداران وانتهب ما فيهما وانتهى أصحاب الموفق إلى سوق لصاحب الزنج كان اتخذها مظلة على دجلة سماها الميمونة فأمر الموفق زيرك صاحب مقدمة أبي العباس بالقصد لهذه السوق فقصد بأصحابه لذلك وأكب عليها فهدمت تلك السوق وأخربت فقصد الموفق الدار التي كان