فهرس الكتاب
بالوغول في مدينة الخبيث وتقحمها ويصرون من ذلك على ما كانت الهيبة تحول بينهم وبينه حتى إذا ظن الموفق أن قد بلغ أصحابه ما كانوا يحتاجون إليه صح عزمه على العبور إلى محاربة الفاسق في الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب فجلس مجلسا عاما وأمر بإحضار قواد المستأمنة ووجوه فرسانهم ورجالتهم من الزنج والبيضان فأدخلوا إليه ووقفوا بحيث يسمعون كلامه ثم خاطبهم فعرفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم وما كان الفاسق دين لهم من معاصي الله وأن ذلك قد كان أباح له دماءهم وأنه قد غفر الزلة وعفا عن الهفوة وبذل الأمان وعاد على من لجأ إليه بفضله فأجزل الصلات وأسنى الأرزاق وألحقهم بالأولياء وأهل الطاعة وأن ما كان منه من ذلك يوجب عليهم حقه وطاعته وأنهم لن يأتوا شيئا يتعرضون به لطاعة ربهم والاستدعاء لرضا سلطانهم أولى بهم من الجد والاجتهاد في مجاهدة عدو الله الخائن وأصحابه وأنهم من الخبرة بمسالك عسكر الخبيث ومضايق طرق مدينته والمعاقل التي أعدها للهرب إليها على ما ليس عليه غيرهم فهم أحرياء أن يمحضوه نصيحتهم ويجتهدوا في الولوج على الخبيث والتوغل إليه في حصونه حتى يمكنهم الله منه ومن أشياعه فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد وإن من قصر منهم استدعى من سلطانه إسقاط حاله وتصغير منزلته ووضع مرتبته فارتفعت أصواتهم جميعا بالدعاء للموفق والإقرار بإحسانه وبما هم عليه من صحة الضمائر في السمع والطاعة والجد في مجاهدة عدوه وبذل دمائهم ومهجهم في كل ما يقر بهم منه وأن ما دعاهم إليه قد قوي نيتهم ودلهم على ثقته بهم وإحلاله إياهم محل أوليائه وسألوه أن يفردهم بناحية يحاربون فيها فيظهر من حسن نياتهم ونكايتهم في العدو ما يعرف به إخلاصهم وتورعهم عما كانوا عليه من جهلهم فأجابهم الموفق إلى ما سألوا وعرفهم حسن موقع ما ظهر له من طاعتهم وخرجوا من عنده مبتهجين بما أجيبوا به من حسن القول وجميل الوعد
وفي ذي القعدة من هذه السنة دخل الموفق مدينة الفاسق بالجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب فخرب داره وانتهب ما كان فيها
ذكر أن أبا أحمد لما عزم على الهجوم على الفاسق في مدينته بالجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب أمر بجمع السفن والمعابر من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره إذ كان ما في عسكره مقصرا عن الجيش لكثرته وأحصى ما في الشذا والسميريات والرقيات التي كانت تعبر فيها الخيل فكانوا زهاء عشرة آلاف سلاح ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة سوى سفن أهل العسكر التي يحمل فيها الميرة ويركبها الناس في حوائجهم وسوى ما كان لكل قائد ومن يحضر من أصحابه من السميريات والجريبيات والزواريق التي فيها الملاحون الراتبة فلما تكاملت له السفن والمعابر ورضي عددها تقدم إلى أبي العباس وإلى قواد مواليه وغلمانه في التأهب والاستعداد للقاء عدوهم وأمر بتفرقة السفن والمعابر إلى حمل الخيل والرجالة وتقدم إلى أبي العباس في أن يكون خروجه في جيشه في الجانب الغربي من نهر أبي الخصيب وضم إليه قوادا من قواد غلمانه في زهاء ثمانية آلاف من أصحابهم وأمره أن يعمد مؤخر عسكر الفاسق حتى يتجاوز دار المعروف بالمهلبي وقد كان الخبيث حصنها وأسكن بقربها خلقا كثيرا من أصحابه ليأمن على مؤخر عسكره وليصعب على من يقصده المسلك إلى هذا الموضع