فقد علم مما ذكر أنّ السّبع متواترة اتفاقا، وكذا الثّلاثة بعدها بخلف، وأنّ الأربعة بعدها شاذة اتفاقا.
لكن خالف صاحب (البديع) من متأخري الحنفية كما نقله العلامة الكمال ابن أبي شريف [1] : فاختار أنّ السبع مشهورة.
ونقل السروجي الحنفي [2] في باب الصوم من كتابه (الغاية شرح الهداية) عن المعتزلة أنّها أحاد، وعن جميع أهل السّنة: أنّها متواترة.
فإن قلت: الأسانيد إلى الأئمة السّبعة، وأسانيدهم إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما في كتب القراءات أحاد لا تبلغ عدد التّواتر فمن أين جاء التّواتر؟.
أجيب: بأنّ انحصار الأسانيد المذكورة في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، وإنّما نسبت القراءات إلى الأئمة ومن ذكر في أسانيدهم والأسانيد إليهم لتصدّيهم لضبط الحروف وحفظ شيوخهم فيها، ومع كلّ منهم في طبقته ما يبلغها عدد التّواتر، لأنّ القرآن قد تلقّاه من أهل كلّ بلد بقراءة إمامهم الجمّ الغفير عن مثلهم، وكذلك دائما مع تلقي الأمة لقراءة كلّ منهم بالقبول [3] ، اه.
وقال السّخاوي:"ولا يقدح في تواتر القراءات السّبع إذا أسندت من طريق الآحاد كما لو قلت: أخبرني فلان عن فلان أنّه رأى مدينة سمرقند، وقد علم وجودها بطريق التّواتر لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها، فقراءة السبع كلّها متواترة، وقد"
(1) محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي شريف المقدسي، كمال الدين، ولد سنة (822) ، من تصانيفه الدرر اللوامع، مات سنة (906) ه، الأعلام (53) (7) ، شذرات الذهب (29) (8) .
(2) أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، أبو العباس، شمس الدين: فقيه، ولد سنة (639) ه، كان حنبليا وتحول حنفيا، فولي القضاء وعزل قبل موته بأيام، مات سنة (710) ه، كان بارعا في علوم شتى، ونسبته إلى بلدة (سروج) بنواحي حران من بلاد الجزيرة، له كتب منها الغاية شرح الهداية في الفقه وغيرها، الأعلام للزركلي (86) (1) ، الجواهر المضية (53) (1) ، الدرر الكامنة (91) (1) ، وانظر أقوال الحنفية في البحر المحيط للزركشي (466) (1) .
(3) حاشية العطار على جمع الجوامع (220) (2) .