غير متواتر وليس كذلك بل تحقيق كلّ شيء بحسبه" [1] انتهى."
ولمّا كان الصّدر الأوّل لا يدوّنون علومهم في دفاتر ولا كتب ثقة منهم بضبطهم واتّكالا على حفظهم، وبدا في كثير من ألفاظ القرآن التّفريط، وفشا في جمل من طرق الرّوايات التّخليط، قيّض اللّه تعالى لكتابه المجيد الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [2] من دوّن وجوه قراءاته، وضبط طرق رواياته، فاجتهدوا في ذلك حق الاجتهاد، وبذلوا النّصح في ذلك للّه ورسوله والعباد، فأخذوا في جمع ذلك وتدوينه، فاستفرغوا فيه وسعهم وبذلوا جهدهم، فكان أوّل إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام [3] وجعلهم خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السّبعة، وتوفي سنه أربع وعشرين ومائتين.
ثمّ تلاه الجماعة سالكين سنّته، متقلدين منّته، فكثرت التّآليف، وانتشرت التّصانيف، واختلفت أغراضهم بحسب الإيجاز والتّطويل، والتّكثير والتّقليل، وكل له مقصد سني، ومذهب مرضيّ:
فكان أوّل من تابعه أحمد (( 258 ) )بن جبير الكوفي [4] نزيل أنطاكية [5] ، فجمع
(1) كنز المعاني (534) (2) .
(2) فصلت: (42) .
(3) القاسم بن سلاّم، أبو عبيد الخراساني الأنصاري، مولاهم البغدادي الإمام الكبير، ولد سنة مائة وسبع وخمسون من الهجرة، صاحب التصانيف، أخذ القراءة عرضا وسماعا عن علي بن حمزة الكسائي وسليم بن عيسى، وله اختيار في القراءة وافق فيه العربية والأثر، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين، انظر: غاية النهاية (17) (2) ، المعرفة: (360) (1) ، السير (490) (10) ، وغير ذلك، وكتابه مفقود لا يعرف منه إلاّ وريقات بها أسماء أهل القراءات، انظر: إعلام أهل البصائر، مجلة الإمام الشاطبي العدد الخامس: (307) .
(4) أحمد بن جبير بن محمد بن جبير أبو جعفر وقيل أبو بكر، أخذ القراءة عن الكسائي وعن سليم صاحبي نافع، وسمع بعض قراءة عاصم من أبي بكر شعبة، قرأ عليه محمد بن علان، موسى بن جمهور، توفي في سنة (258) ه، انظر: الغاية (42) (1) ، المعرفة: (416) (1) .
(5) وأنطاكية: بتخفيف الياء، وهي في القديم قصبة العواصم من الثغور الشامية والآن في تركيا، انظر: معجم البلدان (266) (1) .