إسحاق إنّ هذه السّورة التي جاء بها جبريل عليه السّلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين تبدّى له في صورته التي خلقه اللّه عليها ودنا إليه وتدلّى منهبطا وهو بالأبطح [1] ، وهذا قوي جدا، إذا التّكبير إنّما يكون غالبا لأمر عظيم أو مهول، والأوّل رواه الحافظ أبو العلاء بإسناده إلى أحمد بن فرح عن البزّي، وكذا رواه غيره، لكن قال الحافظ عماد الدين ابن كثير:"أنّه لم يرد بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف" [2] ، ومراده كما في (النّشر) كون هذا سبب التّكبير، وإلاّ فانقطاع الوحي مدّه أو إبطاؤه مشهور، وروينا أيضا عن أحمد بن فرح قال: حدثني بن أبي بزّة بإسناده أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أهدى إليه قطف عنب جاء قبل أوانه فهمّ أن يأكل منه فجاءه سائل فقال: أطعموني ممّا رزقكم اللّه قال: فسلّم إليه العنقود، فلقيه بعض أصحابه فاشتراه منه وأهداه للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فعاد السّائل إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله فأعطاه إيّاه فلقيه رجل آخر من الصّحابة فاشتراه منه وأهداه للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فعاد السائل فانتهره فانقطع الوحي عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أربعين صباحا فقال المنافقون:"قلى محمدا ربّه"،فجاء جبريل عليه السّلام فقال:"اقرأ يا محمد"،قال:"وما أقرأ"،قال: اقرأ:
«و الضّحى» ، فلقنه السّورة، فأمر النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أبيّا لمّا بلغ «و الضّحى» أن يكبّر مع خاتمة كلّ سورة حتى يختم، وهو حديث معضل غريب جدّا بهذا السّياق، وهو ممّا انفرد به ابن أبي بزة [3] .
وقد كان تكبيره صلّى اللّه عليه وسلّم آخر قراءة جبريل عليه السّلام وأوّل قراءته صلّى اللّه عليه وسلّم، ومن ثمّ تشعّب الخلاف في محله:
(1) الأبطح بفتح الهمزة وسكون الموحدة، وطاء مفتوحة وآخره حاء، جزع من وادي مكة بين المنحنى إلى الحجون، ثم تليه البطحاء إلى المسجد الحرام وكلاهما من المعلاة ثم المسفلة من المسجد الحرام على قوز المكاسة - الرمضة - قديما ومنه الآن شارع الأبطح عليه طريق الحجاج من المسجد الحرام إلى منى، وكل مسيل فيه دقاق الحصي فهو أبطح، انظر: المعالم الجغرافية الواردة في السيرة (35) (1) ، معجم ما استعجم (257) (1) ، معجم البلدان (74) (1) .
(2) تفسير ابن كثير (557) (4) .
(3) انظر: النشر (409) (2) ، والحديث في الضعيفة للألباني (302) (13) (( 6133 ) ).