دَيْجُورُها ولا يطلُعُ نورُهَا، فظَلِلْتُ أقَاسِي طُولها، حتَّى إذا كان قُرْبَ السَّحرِ أغفيْتُ، فهتفَ بي هاتفٌ يقول:
خَطْبٌ أَجَلُّ أناخَ بالإسْلَامِ … بينَ النَّخيلِ ومَعْقِدِ الآطَامِ
قُبِضَ النَّبيُّ محمَّدٌ فعُيُونُنا … تَهْمِي الدُّمُوعَ عَليهِ بالتَّسْجامِ
قال: فوثبتُ من نَومِي فزعًا، فنظرْتُ إلى السَّماءِ فلم أرَ إلَّا سعْدَ الذَّابِحِ (١) ، فتفاءَلتُ به (٢) ذَبحًا يقعُ في العربِ، وعلمتُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد قبضَ، فركبْتُ ناقتِي وسرْتُ، فقدمتُ المدينةَ ولأهلِهَا ضجيجٌ بالبُكَاءِ كضجيجِ الحجيْجِ، فقلتُ: مهْ؟ فقالوا: قبضَ رسولُ الله ﷺ ، فجئتُ المسجدَ فوجدتُهُ خاليًا، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ (٣) فوجدتُ بابَهُ مُرْتَجًا، وقيل: هو مسجًّى، قد خلا به أهلُهُ، فقلت: أين النَّاسُ؟ فقيل: في سقيفةِ بني ساعدةَ، فجئتُهم فتكلَّمَ أبو بكرٍ ﵁ ، فللَّهِ درُّهُ من رجلٌ لا يطيلُ الكلامَ، ومدَّ يدَهُ فبايعوهُ، ورجعَ فرجعْتُ معه، فشهدْتُ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ودفنهِ.
(٨٤) (بابُ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ) .