النَّكرة إذا أُعيدت نكرةً كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب أنَّ الَّذين عذِّبوا بالرِّيحِ هم الَّذين قالوا: هذا عارضٌ، وقد أجابَ صاحب «الكواكب الدراري» عن ذلك: بأنَّ القاعدةَ المذكورة إنما ??طَّرد (١) إذا لم يكن في السِّياقِ قرينة تدلُّ على الاتِّحاد، فإن كان هناك قرينةٌ كما في قولهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا، وعلى تقدير تسليمِ المغايرةِ مطلقًا فلعلَّ عادًا قومان: قومٌ بالأحقاف، أي: في الرِّمالِ؛ وهم أصحاب العارضِ، وقومٌ غيرهم. انتهى. ويؤيِّد قوله الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] فإنَّه يشعرُ بأنَّ ثمَّ عادًا أُخرى، وعند الإمام أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن الحارثِ بنِ حسَّانٍ البكريِّ، قال: خرجتُ أشكُو العلاءَ بن الحضرميِّ إلى رسول الله ﷺ فمررتُ بالرَّبَذةِ فإذا عجوزٌ من بني تميمٍ منقطعٌ بها، فقالتْ لي: يا عبدَ الله، إنَّ لي إلى رسولِ الله ﷺ حاجةً، فهل أنتَ مبلِّغِي إليه؟ قال: فحملتُها فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأهله … الحديثَ. وفيه: فقلت: أعوذُ بالله ورسولهِ أن أكون كوافدِ عادٍ. قال: وما وافدُ عادٍ؟ -وهو أعلم بالحديث منه لكن يستعظمه (٢) - قلت: إنَّ عادًا قحطوا فبعثُوا وافدًا لهم يقال له: قَيْل بنَ عَنْزٍ (٣) ، فمرَّ بمعاوية بن (٤) بكر فأقامَ عنده شهرًا يسقيهِ الخمرَ وتغنِّيهِ جاريتان يقال لهما: الجرادتانِ، فلمَّا مضى الشَّهر خرج إلى جبالِ مَهْرَة، فقال: اللَّهمَّ إنَّك تعلمُ أنَّي لم أجئ إلى مريضٍ فأداويهِ، ولا إلى أسيرٍ فأفاديهِ، اللَّهمَّ اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيهِ، فمرَّت به سحاباتٌ سودٌ، فنودِيَ منها: اختَر، فأومأَ إلى سحابةٍ منها سوداءَ، فنُودي منها: خذهَا رَمَادًا رِمْدِدًا (٥) ، لا تبقي من عادٍ أحدًا. رواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه، ذكرهُ ابنُ كثير بطوله في «تفسيره» ، وابن حجرٍ مختصرًا، وقال: الظَّاهرُ أنَّه في قصَّة عادٍ الأخيرة لذكر مكَّة فيه.